قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن سوريا يطوي صفحة 2011
في خطوة دبلوماسية ذات دلالات عميقة، تبنى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يقضي بإنهاء النظر في ملف تنفيذ اتفاق الضمانات المرتبط بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في سوريا، معتبراً أن دمشق استوفت الشروط التي كانت معلقة منذ عام 2011. هذا القرار، الذي جاء بمبادرة من الرباعية العربية داخل المجلس والمكونة من المغرب والسعودية ومصر والأردن، لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل مثّل تتويجاً لمسار تفاوضي طويل قادته الرباعية بقيادة مغربية حثيثة لتقريب وجهات النظر بين جميع الأطراف، بما في ذلك الدول الخمس دائمة العضوية.
ماذا يعني قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن سوريا عملياً؟
بموجب هذا القرار، أصبحت أحكام القرار السابق GOV/2011/41، الذي اعتمد في 9 يونيو 2011، “غير قابلة للتطبيق”، وتقرر عدم إحالة الملف المعنون “تنفيذ اتفاق الضمانات لمعاهدة عدم الانتشار في الجمهورية العربية السورية” على المجلس مجدداً. وبذلك ينتهي النظام الخاص الذي فُرض على سوريا قبل أكثر من عقد، ويعود ملف الضمانات النووية السورية إلى الإطار العادي لاتفاق الضمانات، أي إلى المتابعة الروتينية التي تخضع لها الدول الأعضاء في المعاهدة.
يستحضر القرار الخلفية التي أدت إلى الأزمة الأصلية، حين خلص المجلس في 2011 إلى أن بناء مفاعل نووي غير معلن في دير الزور، وعدم الإفصاح عن المعلومات المطلوبة بشأن تلك المنشأة، شكّلا إخلالاً بالتزامات سوريا. وقتها طالب المجلس دمشق بوقف هذا الوضع وتقديم المعلومات اللازمة والسماح بالوصول إلى المواقع المعنية.
تقرير غروسي: سوريا قدمت المعلومات والوصول المطلوبين
وفق تقرير المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، المؤرخ في فاتح سبتمبر 2026، فإن سوريا وفرت منذ ذلك الحين المعلومات والتقارير المحدثة والوصول المطلوب، ما أتاح على وجه الخصوص إخضاع المواد النووية التي لم تكن معلنة سابقاً لنظام الضمانات، وإدراجها ضمن أنشطة التحقق المنتظمة للوكالة. كما حصلت الوكالة على توضيحات وأجوبة بشأن المسائل العالقة، في حين اتخذت سوريا إجراءات لمعالجة الوضع.
وفي هذا السياق، أشاد المجلس بالشفافية والتعاون اللذين أبدتهما السلطات السورية منذ 2025، وهنأ دمشق على الخطوات التي أنهت الإخلال المسجل سابقاً. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التطور لا يعني إغلاق الملف النووي السوري نهائياً، بل يعني فقط عودة متابعته إلى المسار العادي، حيث تظل الوكالة تمارس مهام التحقق والتفتيش وفق الاتفاق المعمول به.
المغرب في قلب الوساطة: من مشروع القرار إلى توافق المجلس
لعب المغرب، باعتباره عضواً في الرباعية العربية صاحبة مشروع القرار، دوراً محورياً في حشد الدعم لاعتماده بتوافق الآراء. وقد دعت الرباعية إلى تبني النص باعتباره وسيلة لإنهاء آثار قرار 2011 وإعادة الضمانات في سوريا إلى إطارها العادي. وفي كلمة أمام المجلس، رحب السفير الممثل الدائم للمغرب لدى المنظمات الدولية في فيينا، عز الدين فرحان، بتقرير غروسي “الشامل والشفاف”، وبالتطور الإيجابي في التعاون بين دمشق والوكالة.
وأعرب فرحان عن دعمه لجهود سوريا لتعزيز تعاونها مع الوكالة وتسوية المسائل العالقة “في إطار من الحوار الإيجابي والتعاون البناء والثقة المتبادلة”. كما أبرز التطورات الأخيرة والاتصالات بين السلطات السورية والوكالة، ومنها زيارة المدير العام للوكالة إلى سوريا، معتبراً أنها قد تفتح “مرحلة جديدة من التعاون والثقة المتبادلة” وتسمح بتقدم ملموس في الملف. ودعا الدول الأعضاء إلى دعم القرار بتوافق الآراء ومراعاة التطورات الإيجابية الأخيرة لمساعدة سوريا على مواصلة تعاونها مع الوكالة.
قراءة تحليلية: ما الذي يعنيه هذا التحول للدبلوماسية العربية؟
يمكن قراءة هذا التطور من زوايا متعددة:
- زاوية الدبلوماسية الوقائية: نجحت الرباعية العربية في تحويل ملف خلافي إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، بدل تركيز الضغط فقط على العقوبات والمتابعات.
- زاوية المصالح الإقليمية: عودة سوريا إلى الإطار العادي للضمانات قد تسهل اندماجها التدريجي في المنظومة الإقليمية، خاصة في ظل تحولات سياسية أوسع تشهدها المنطقة.
- زاوية المصداقية الدولية: اعتماد القرار بتوافق الآراء، بما في ذلك من الدول الخمس الكبرى، يمنحه شرعية قوية ويقلل من احتمالات الطعن فيه لاحقاً.
- زاوية الرقابة المستمرة: رغم إنهاء النظام الخاص، تبقى الوكالة مطالبة بمواصلة التحقق، ما يعني أن الملف لم يُغلق نهائياً بل تغيرت أدوات إدارته.
وفي المحصلة، يبدو أن قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن سوريا يشكل نموذجاً لنجاح الوساطة العربية في ملف تقني-سياسي معقد، حيث انتقل الملف من مربع الاتهام إلى مربع التعاون، مع إبقاء باب التحقق مفتوحاً. ولمتابعة تطورات هذا الملف وغيره من القضايا الدولية، يمكن الرجوع إلى تغطيات الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك