قانون الأطفال الرقمي في أوروبا: خطوة جريئة نحو فضاء رقمي آمن
في خطوة غير مسبوقة، كشفت المفوضية الأوروبية عن مسودة تشريع طموح يُعرف باسم قانون الأطفال الرقمي في أوروبا (EU Kids Act)، والذي يهدف إلى إعادة تشكيل العلاقة بين القاصرين والمنصات الرقمية. يأتي هذا المشروع في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، ليشكل نقطة تحول في سياسات التنظيم الرقمي عالميًا.
لماذا قانون الأطفال الرقمي في أوروبا الآن؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن أكثر من 80% من المراهقين الأوروبيين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي يوميًا، وأن متوسط الوقت المقضي أمام الشاشات يتجاوز ثلاث ساعات. وقد ربطت أبحاث متعددة بين الاستخدام المفرط وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى الشباب. وبناءً على ذلك، تسعى المفوضية إلى وضع إطار قانوني موحد يلزم المنصات بتحمل مسؤولية أكبر تجاه المستخدمين الصغار.
الحدود العمرية: تدريجية وصارمة
يعتمد القانون على نهج متدرج حسب الفئة العمرية، مما يجعله أكثر مرونة من الحظر الشامل. وتتلخص أبرز أحكامه في:
- أقل من 13 عامًا: يُحظر تمامًا إنشاء حسابات على المنصات المشمولة، مع إلزام هذه المنصات بالتحقق من العمر.
- من 13 إلى 14 عامًا: يُسمح بحسابات مصغرة تُدار بالكامل من قبل الوالدين، مع تحديد وقت الاستخدام بساعة واحدة يوميًا، وضرورة موافقة الوالدين على قائمة الأصدقاء.
- من 15 إلى 17 عامًا: يمكن للمراهقين إنشاء حسابات مستقلة، لكن تظل بعض الميزات محظورة عليهم حتى بلوغ 18 عامًا.
ميزات محظورة: نهاية التمرير اللانهائي
يستهدف القانون الآليات المصممة لزيادة الإدمان، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات التحفيزية وأنظمة المكافآت والعقوبات. بالنسبة لمن هم تحت 18 عامًا، ستُفرض فترات راحة إلزامية وحدود زمنية يومية، مع مراعاة أوقات النوم والدراسة. ولا تقتصر هذه القيود على شبكات التواصل الاجتماعي فحسب، بل تمتد إلى منصات مشاركة الفيديو وألعاب الفيديو والتطبيقات التي تتضمن ميزات خطرة.
الذكاء الاصطناعي: حظر التلاعب العاطفي
في بند غير مسبوق، يمنع القانون وكلاء الذكاء الاصطناعي وروبوتات الدردشة من انتحال صفة “الأصدقاء البشر” للتأثير عاطفيًا على الأطفال. وأكدت المفوضة الأوروبية هينا فيركونن أن هذه الممارسات تشكل خطرًا نفسيًا كبيرًا، خاصة مع تطور تقنيات المحادثة التوليدية.
التحقق من العمر: حلول تقنية متطورة
لضمان تطبيق هذه القواعد، ستُطالب المنصات بالتحقق من عمر المستخدمين عند التسجيل. وتخطط بروكسل لتوفير أداة أوروبية موحدة للتحقق من العمر تحافظ على خصوصية المستخدمين، مع السماح باستخدام تقنيات أخرى مماثلة. ويعد هذا التحدي التقني أحد أكبر العقبات، إذ يجب الموازنة بين حماية الأطفال وحق الخصوصية.
عقوبات مالية رادعة
في حال عدم الامتثال، تواجه الشركات غرامات تصل إلى 6% من إجمالي إيراداتها السنوية العالمية، وهو نفس السقف المنصوص عليه في قانون الخدمات الرقمية (DSA). وتعتبر هذه العقوبات أداة ضغط قوية لضمان التزام المنصات.
ما بعد Kids Act: نحو تشريع أوسع
لا يتوقف الطموح الأوروبي عند هذا الحد، إذ تعتزم المفوضية تقديم قانون العدالة الرقمية (Digital Fairness Act) في خريف هذا العام، والذي سيمد نطاق الحماية ليشمل البالغين أيضًا، مستهدفًا الميزات الإدمانية بشكل عام. وهذا يعكس تحولًا في الفلسفة التنظيمية من مجرد حماية الأطفال إلى إعادة تصميم الفضاء الرقمي بالكامل.
في الختام، يمثل قانون الأطفال الرقمي في أوروبا سابقة تشريعية قد تلهم دولًا أخرى. وبينما يرى المؤيدون أنه ضرورة لحماية النشء، يحذر المنتقدون من تحديات التنفيذ وتأثيره على حرية التعبير. وللمزيد من التحليلات حول التحولات الرقمية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك