مستقبل المدرسة المغربية بعد الانتخابات: عودة ملف التعليم إلى صدارة النقاش العمومي
مع انتهاء الاستحقاق الانتخابي، تستعيد القضايا الاجتماعية مكانتها في النقاش العام، ويبرز ملف مستقبل المدرسة المغربية بعد الانتخابات كأحد أكثر الملفات إلحاحًا، نظرًا لارتباطه المباشر بالحياة اليومية لملايين الأسر والمتعلمين. فبعد فترة طغت فيها السياسة على الشأن التعليمي، يعود السؤال حول جودة التعليم وظروف التمدرس إلى الواجهة، وسط تطلعات متزايدة لإصلاحات حقيقية.
سياق العودة: لماذا يتصدر التعليم النقاش الآن؟
يرى مراقبون أن عودة التعليم إلى صدارة النقاش العمومي ليست مجرد رد فعل موسمي، بل نتيجة طبيعية لتراكم التحديات التي لم تجد حلولًا جذرية بعد. فمع بداية كل موسم دراسي، تتجدد المطالب بتحسين البنية التحتية، ومعالجة الاكتظاظ، وتأهيل الأطر التربوية، وهي قضايا تلامس مباشرة جودة التعلمات.
ويشير الباحث في الشأن التربوي، جبير مجاهد، إلى أن “المدرسة تظل من أكثر الملفات ارتباطًا بالحياة اليومية، بما تطرحه من أسئلة حول جودة التعليم وظروف التمدرس والاكتظاظ والبنية التحتية”. ويضيف أن عودتها إلى الواجهة يجب ألا تكون مرتبطة فقط ببداية الموسم الدراسي، بل تحتاج إلى نقاش مستمر يضع الإصلاح التربوي في صلب الأولويات.
الملفات الساخنة في أجندة الإصلاح التربوي
تتعدد الملفات التي تفرض نفسها على طاولة النقاش، ومن أبرزها:
- جودة التعلمات: لا يزال مستوى التحصيل الدراسي دون المأمول، خاصة في اللغات والرياضيات.
- الاكتظاظ: تعاني العديد من المؤسسات التعليمية من أقسام مكتظة، ما يؤثر على جودة التدريس.
- الزمن المدرسي والإيقاعات: ضرورة مراجعة التوزيع الزمني للمواد والأنشطة.
- الدعم الاجتماعي: يشمل النقل والإطعام المدرسي والدعم المادي للأسر المعوزة.
- الهدر المدرسي: ظاهرة الانقطاع عن الدراسة التي تحرم آلاف التلاميذ من حقهم في التعليم.
- مشروع مدارس الريادة: يثير تساؤلات حول فعاليته ومدى جاهزيته للتوسع.
- القانون رقم 59.21: المتعلق بالتعليم المدرسي، والذي ينتظر صدور مراسيمه التنزيلية.
ويؤكد المصطفى صائن، رئيس الفيدرالية الوطنية المغربية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، أن “الانتخابات تؤجل النقاش حول الملفات الاجتماعية ولا تلغيها”، مشددًا على أن “الملفات التربوية نفسها ستفرض عودتها إلى الواجهة”.
تقييم السياسات العمومية: من الوعود إلى الحصيلة
مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يبرز سؤال محوري: ماذا تحقق فعليًا في قطاع التربية والتكوين؟ وهل نجحت خارطة الطريق ومشروع مدارس الريادة في تحسين جودة التعليم؟ يشير صائن إلى أن “النقاش سينتقل تدريجيًا من سؤال ‘ماذا سنفعل؟’ إلى سؤال ‘ماذا تحقق فعلا؟'”، مضيفًا أن نتائج التلاميذ، خاصة مع نشر تقرير PISA، ستعيد سؤال الجودة إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، يطرح المتحدث ذاته تساؤلات حول مضمون النقاش: “هل ستعود المدرسة إلى النقاش العمومي فقط، وبأي مضمون ستعود؟”، لافتًا إلى أن التحدي يتمثل في الانتقال من القضايا الظرفية (الدخول المدرسي، الكتب، النقل) إلى أسئلة أعمق مثل ما يتعلمه التلميذ فعليًا، ومدة التعلم الحقيقية، وأسباب الانقطاع.
دور المجتمع المدني في ترصيد النقاش
تلعب جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ دورًا محوريًا في متابعة قضايا التعليم. وقد أعلنت الفيدرالية الوطنية المغربية عن برمجة دورة المجلس الوطني يومي 10 و11 أكتوبر المقبل، والتي ستصدر عنها التقرير السنوي حول حالة المدرسة المغربية، إلى جانب بيان حول مستجدات الساحة التعليمية. هذا التقرير سيشكل أداة ضغط موضوعية لتقييم السياسات التعليمية واقتراح حلول عملية.
تحديات المستقبل: نحو مدرسة الإنصاف والجودة
يظل السؤال الأكبر: أية مدرسة نريد؟ وكيف نجعلها فضاءً فعليًا للإنصاف وبناء المعرفة وتأهيل الأجيال؟ يتطلب ذلك إرادة سياسية قوية، وتقييمًا منتظمًا للإصلاحات، وإشراكًا حقيقيًا لجميع الفاعلين التربويين. كما يستلزم تجاوز الشعارات والظرفية، والانتقال إلى مشروع مجتمعي واضح المعالم.
وفي هذا الإطار، يبقى الإعلام شريكًا أساسيًا في تسليط الضوء على هذه القضايا. ولمتابعة آخر المستجدات، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خاتمة
إن عودة ملف مستقبل المدرسة المغربية بعد الانتخابات إلى واجهة النقاش العمومي تمثل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للتعليم العمومي، بشرط أن يتحول النقاش إلى أفعال ملموسة، وأن تتضافر جهود الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني والأسرة لبناء مدرسة مغربية قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
التعليقات (0)
اترك تعليقك