مقدمة: قراءة في الظاهرة الانتخابية
في مفاجأة سياسية غير مسبوقة، شهدت الساحة المغربية تحليلاً انتخابياً لصعود العدالة والتنمية بعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، حيث تمكن الحزب من تحقيق قفزة نوعية من 13 مقعداً إلى 54 مقعداً. هذا التحول الدراماتيكي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين عوامل سياسية واستراتيجيات ميدانية دقيقة. وفقاً لورقة بحثية حديثة أصدرها “المعهد المغربي لتحليل السياسات” (MIPA)، فإن هذا الصعود يعكس “تداخلاً مدروساً بين متغيرات سياسية استراتيجية وجاهزية تنظيمية ميدانية”. في هذا المقال، نقدم تحليلاً انتخابياً لصعود العدالة والتنمية، ونستكشف السياقات التي مهدت لهذا التعافي، والتحديات التي تنتظره.
خلفية الانتكاسة: انتخابات 2021 وصدمة القرارات
لفهم تحليل انتخابي لصعود العدالة والتنمية، لا بد من العودة إلى نقطة الانطلاق: انتخابات 8 شتنبر 2021، التي شكلت انتكاسة حادة للحزب بعد مسار صعود متواصل منذ 1997. تضرر الحزب آنذاك من قرارات حكومية في ملفات هوياتية حساسة، مثل قانون الإطار 51.17 المتعلق بلغة التدريس، وتقنين القنب الهندي بالقانون 13.21، إضافة إلى تعديل القاسم الانتخابي. لكن الصدمة الأكبر جاءت من توقيع رئيس الحكومة والأمين العام السابق سعد الدين العثماني على الإعلان المشترك بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في 22 دجنبر 2020، وهو ما أثار استياء القواعد الشعبية. هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع تمثيلية الحزب بشكل كبير، مما جعله في حاجة إلى إعادة بناء استراتيجيته.
عوامل التعافي: من طوفان الأقصى إلى البراغماتية السياسية
يرى عبد الرحمان علال، الباحث في العلوم السياسية ومعد الورقة، أن أحداث “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023 وما تلاها أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة خطاب الحزب، مما “أعاد الروح لجسده التنظيمي المنهك”. وقد سجلت الدراسة “براغماتية سياسية متوازنة” لدى الحزب، حيث واصل إدانته للجرائم الإسرائيلية مع “التحفظ عن الانزلاق إلى صدام مع الدولة بشأن العلاقات الرسمية”. تجسد ذلك في دعوة أمانته العامة في 17 شتنبر 2026 أنصاره إلى “تجنب السجال” حول مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل و”التركيز الحصري على الحملة الانتخابية”. هذا التوازن مكن الحزب من الحفاظ على قاعدته الشعبية دون الدخول في مواجهة مع المؤسسات.
استراتيجية المعارضة: استهداف الغريم وبناء الرصيد الرقابي
خلال الفترة 2021-2026، وجد حزب العدالة والتنمية نفسه في صفوف المعارضة البرلمانية، وهو ما شكل فرصة لاستعادة لياقته التنظيمية وجاذبيته الشعبية. ركزت المجموعة النيابية للحزب على استخدام آليات السياسات العمومية والرقابة لمساءلة الحكومة في قضايا حارقة مثل الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم، وإثارة ملفات شبهات تضارب المصالح في أسواق المحروقات، وصفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، وإعفاء مستوردي الماشية. كما تفاعل الحزب مع قضايا حقوقية. وقد شكلت هذه الحصيلة الرقابية المادة الأساسية للحملة الانتخابية، مع توجيه “نقد مكثف ونوعي” نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد الائتلاف الحكومي في الولاية السابقة. هذا الاستهداف المباشر للغريم السياسي ساعد في حشد القواعد وتوضيح الخط الفاصل بين المعارضة والموالاة.
كاريزما بنكيران: سلاح ذو حدين
لعبت الأدوار المحورية للأمين العام عبد الإله بنكيران دوراً حاسماً في تحليل انتخابي لصعود العدالة والتنمية. بقيادة الحزب لنحو 14 عاماً، قاد بنكيران جولات ميدانية استباقية وأدار استراتيجية تواصلية مكثفة استندت إلى استحضار الخصوم السياسيين. وعلى الرغم من نجاح هذه الزعامة الكاريزمية في استنهاض القواعد، حذرت الدراسة من خطورة “الأبوية السياسية” التي تضيق هامش البروز أمام الأصوات والمقاربات المخالفة. وشدد الباحث على أن التحدي الهيكلي أمام الحزب يكمن في “قدرته على تحويل رصيد الزعيم إلى قدرة مؤسسية مستدامة تُجنبه الارتهان الدائم لشخصه كمُنقِذ عند كل أزمة”. وهذا يعني أن الحزب بحاجة إلى تطوير قيادات جديدة وتوزيع الأدوار لضمان استمرارية التأثير.
تكتيك حراسة الصناديق: ضمان نزاهة الاقتراع
على المستوى الميداني، فعّل حزب “المصباح” استراتيجية “حراسة الصناديق” عبر نشر 26 ألف مراقب حزبي لمراقبة عمليات التصويت والفرز في 40,694 مكتب تصويت. وتكتسي هذه الخطوة أهمية حاسمة كون المحاضر الموقعة تمثل “الذاكرة القانونية” المعتد بها للطعن في النتائج أمام القضاء. وقد أوردت الورقة أن يوم الاقتراع عرف “تدخلاً مباشراً من بنكيران عبر اتصاله بوزير الداخلية مرتين إثر صعوبات في تسلم المحاضر ببعض المكاتب”. وفي المقابل، أقر جامع المعتصم، رئيس لجنة إدارة الحملة، بأن “فقدان الحزب لمقاعد إضافية نجم عن غياب المراقبين في بعض المناطق التي لم تشملها التغطية”. هذا التكتيك يعكس احترافية عالية في إدارة العملية الانتخابية.
حسم الموقع البرلماني والرهانات المقبلة
سارع المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، المنعقد في 26 شتنبر 2026 غداة إعلان النتائج الرسمية، إلى حسم “تموقعه المباشر” في المعارضة؛ حتى قبل تعيين الملك لفاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المكلفة بتشكيلها. ويعكس هذا القرار الاستباقي “رغبةَ الحزب في تثبيت موقعه الرقابي وتوظيف رصيده الجديد، تمهيداً لترجمة تعافيه الانتخابي إلى مكاسب ترابية إضافية” في انتخابات الجماعات والجهات المترقبة سنة 2027. ويبدو أن الحزب يخطط لاستثمار زخم الانتخابات التشريعية في الاستحقاقات المحلية والجهوية، مما قد يعزز حضوره على المستوى الترابي.
خلاصات وتحليل مستقبلي
بناءً على ما سبق، يمكن القول إن تحليل انتخابي لصعود العدالة والتنمية يكشف عن قدرة الحزب على تجاوز أزماته من خلال مزيج من البراغماتية السياسية، والاستراتيجية الميدانية المحكمة، والزعامة الكاريزمية. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، أبرزها تحويل هذا النجاح إلى مكاسب مستدامة وتجنب الارتهان لشخصنة القيادة. كما أن الانتخابات المقبلة في 2027 ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحزب على ترجمة تعافيه إلى تمثيلية ترابية فعالة. للمزيد من التحليلات السياسية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. ولمعرفة المزيد عن حزب العدالة والتنمية، يمكن الاطلاع على صفحته على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك