عاجل

العلاقات المغربية الأمريكية وتأثيرها على نفوذ إسبانيا في شمال إفريقيا: تحليل استراتيجي

العلاقات المغربية الأمريكية وتأثيرها على نفوذ إسبانيا في شمال إفريقيا: تحليل استراتيجي

العلاقات المغربية الأمريكية وتأثيرها على نفوذ إسبانيا في شمال إفريقيا

في تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة النفوذ في غرب المتوسط، كشف تقرير صادر عن معهد إلكانو الملكي الإسباني أن العلاقات المغربية الأمريكية وتأثيرها على نفوذ إسبانيا في شمال إفريقيا أصبحت محورًا حاسمًا في التوازن الإقليمي. فبينما تواصل الرباط تعزيز استقلاليتها السياسية والاقتصادية، تجد مدريد نفسها مضطرة لإعادة تقييم أدواتها الدبلوماسية للحفاظ على موقعها التقليدي.

التقرير، الذي حمل عنوانًا لافتًا حول تراجع النفوذ الإسباني، أشار إلى أن الشراكة بين المغرب والولايات المتحدة لم تعد مقتصرة على التعاون الأمني، بل امتدت لتشمل الاقتصاد الجيوسياسي، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والتكنولوجيا، والانخراط في إفريقيا. هذا التوسع جعل من قضية الصحراء المغربية عنصرًا سياسيًا رئيسيًا في هذه العلاقة، ومحطة بارزة لنجاح الاستراتيجية المغربية تجاه واشنطن.

من الشراكة الأمنية إلى التحالف الاستراتيجي الشامل

لم تأتِ العلاقات المغربية الأمريكية من فراغ، بل تطورت عبر عقود من التعاون المتدرج. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، كثفت إدارة الرئيس جورج بوش الابن التعاون مع الحكومات العربية المعتدلة، وسرعان ما برز المغرب كشريك رئيسي في شمال إفريقيا. وفي يونيو 2004، وقع البلدان اتفاقية التجارة الحرة، التي تجاوزت أهدافها النطاق التجاري البحت، لتعكس رؤية واشنطن للمغرب كشريك عربي وإسلامي معتدل يستحق دعم إصلاحاته الاقتصادية والسياسية.

وفي الشهر نفسه، صنفت الولايات المتحدة المغرب رسميًا حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو، وهي صفة فتحت الباب أمام أشكال متقدمة من التعاون العسكري، والمعدات، والبحوث، والتدريب. واستمر هذا الزخم في عهد إدارة أوباما، التي أولت اهتمامًا أكبر للإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان، ثم تعزز بشكل غير مسبوق في عهد ترامب الأول، حيث جاء الاختراق الحقيقي في دجنبر 2020 مع الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، كأول دولة غربية كبرى تفعل ذلك، وذلك في إطار اتفاقيات إبراهيم التي رعتها إدارة ترامب وأعادت بموجبها الرباط علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.

إدارة بايدن وترامب الثاني: استمرارية مع تصعيد الدعم

على الرغم من أن وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض في يناير 2021 أثار تكهنات بمراجعة قرار سلفه، إلا أن إدارته اختارت عدم إلغاء الاعتراف بالسيادة المغربية، مع احترام سياسات التعاون العسكري وتدريبات الأسد الإفريقي والحوار الاستراتيجي. لكن العودة الثانية لدونالد ترامب في يناير 2025 سرّعت وتيرة الترسيخ، حيث ذهبت واشنطن خطوة أبعد في أبريل 2025 عندما وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد العملي، وفي غشت 2026 كرر ترامب هذا الموقف رسميًا في رسالة إلى الملك محمد السادس، رافضًا أي بديل يطيل أمد الوضع القائم.

هذا الدعم الأمريكي الصريح يمنح الرباط ورقة ضغط قوية، ويقلص هامش المناورة الإسباني في التعامل مع ملف الصحراء، الذي طالما شكل محورًا ثنائيًا بين مدريد والرباط. فالتغيير في السياسة الأمريكية تحول إلى متغير هيكلي في المعادلة، وزاد من قدرة المغرب على تدويل مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به.

انعكاسات على إسبانيا: تحدٍّ وحافز في آن

يجد التقرير الإسباني أن الخطر الرئيسي بالنسبة لمدريد لا يكمن في أن يحل المغرب محلها كشريك مفضل لواشنطن، بل في الفقدان التدريجي لتأثيرها على جدول أعمال البيت الأبيض في شمال إفريقيا. فإسبانيا تمتلك أصولًا استراتيجية مهمة، لكنها بحاجة إلى استغلالها بفعالية أكبر للحفاظ على نفوذها. ويشير التقرير إلى أن المغرب يسعى منذ عقد إلى تقليل تبعيته السياسية لأوروبا، رغم بقاء الاتحاد الأوروبي شريكه الاقتصادي الأول، عبر استراتيجية خارجية أكثر استقلالية وحزمًا وتنوعًا.

وفي هذا السياق، يبرز العلاقات المغربية الأمريكية كعامل جديد في التوازن الاستراتيجي لغرب البحر الأبيض المتوسط. فالتقارب بين الرباط وواشنطن لا يضعف الموقف الإسباني بالضرورة، لكنه يغير السياق الذي تدير فيه مدريد علاقاتها مع المغرب، ويطلب منها إيلاء اهتمام أكبر لقضايا حساسة مثل الهجرة غير النظامية، ومكافحة الإرهاب، والاستثمار في البنية التحتية، والطاقة المتجددة.

استراتيجيات مقترحة لإسبانيا لاستعادة المبادرة

خلص التقرير إلى أن إسبانيا تجد نفسها في بيئة إقليمية يتمتع فيها المغرب باستقلالية أكبر وشركاء أكثر تميزًا وقدرة متزايدة على ممارسة نفوذه خارج منطقة المغرب العربي. ولذلك، لا ينبغي أن تقتصر الاستجابة الإسبانية على رد الفعل تجاه كل نجاح دبلوماسي مغربي، بل يجب أن تركز على تعزيز الميزات التي تجعل إسبانيا شريكًا يصعب استبداله بالنسبة للولايات المتحدة. ومن بين هذه الميزات:

  • تعميق التعاون الأمني والاستخباراتي مع واشنطن في قضايا الساحل ومكافحة الإرهاب.
  • تطوير مشاريع اقتصادية مشتركة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية الرقمية.
  • تفعيل الدبلوماسية الثقافية والتعليمية لتعزيز الروابط الإنسانية مع المغرب والمجتمع المدني.
  • الانخراط في مبادرات إقليمية تشمل دول الساحل والمغرب العربي لتعزيز الاستقرار والتنمية.

وفي المحصلة، يمثل ترسيخ المحور الأمريكي المغربي تحديًا وحافزًا لإسبانيا في آن واحد. التحدي هو ضمان ألا يؤثر الوزن المتزايد للرباط على قدرة مدريد على التأثير في جدول الأعمال الأمريكي في شمال إفريقيا. أما الحافز فهو دفع إسبانيا إلى تحديث أدوات سياستها الخارجية والانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة. ولمزيد من التحليلات حول التحولات الجيوسياسية في المنطقة، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.