مسودة مجلس الأمن حول الصحراء والحكم الذاتي: حين ينتقل النقاش من الإجراء إلى الأساس
لم يكن توزيع واشنطن، بصفتها حاملة القلم في مجلس الأمن، لنص أولي حول ملف الصحراء حدثا عابرا في أجندة الأمم المتحدة، بل شكل لحظة مفصلية أعادت ترتيب أولويات الأطراف المعنية. فالمسودة، التي يُنتظر أن تُحسم نهاية أكتوبر الجاري، لم تكتفِ بتمديد ولاية بعثة «المينورسو» كما جرت العادة، بل اقترحت تحويلها إلى بعثة سياسية محدودة المدة، وجعلت مسودة مجلس الأمن حول الصحراء والحكم الذاتي محورا لمرجعية تفاوضية جديدة تقوم على مبادرة الحكم الذاتي المغربية بوصفها الأساس الوحيد للمباحثات. هذا التحول لم يمر بسلام داخل أروقة الجبهة الانفصالية، التي سارعت إلى إعلان رفضها والتلويح بالانسحاب من المسار الأممي، في مؤشر على أن قواعد اللعبة الدبلوماسية باتت تتغير بوتيرة أسرع مما تستوعبه أطروحاتها التقليدية.
ماذا تتضمن المسودة الأمريكية؟
يمكن تلخيص أبرز ما جاء في النص الأولي، الذي وزعته الإدارة الأمريكية على أعضاء مجلس الأمن، في النقاط التالية:
- إنهاء ولاية بعثة «المينورسو» بحلول نهاية أبريل المقبل، وتحويلها إلى بعثة سياسية خاصة لمدة ستة أشهر فقط.
- اعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن الأساس الوحيد للمفاوضات، دون أي بديل موازٍ.
- إسناد مهمة تسجيل وإحصاء اللاجئين في تندوف إلى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بشكل مباشر وفردي، دون تدخل من أي طرف.
- الاستناد إلى القرار 2797 كمرجعية سياسية وحيدة، مع تجاوز المرجعيات السابقة التي كانت تُستدعى منذ عام 2007.
هذه العناصر مجتمعة تعني أن النقاش لم يعد يدور حول ما إذا كانت المفاوضات ستستأنف، بل حول الأساس الذي ستنطلق منه والنتائج التي يُفترض أن تفضي إليها. وهو ما يفسر حساسية اللحظة بالنسبة للأطراف التي راهنت طويلا على استراتيجية كسب الوقت.
رد فعل البوليساريو: تهديد بالانسحاب أم مناورة تفاوضية؟
في رسالة وجهها ممثلها لدى الأمم المتحدة إلى رئاسة مجلس الأمن، اعتبرت الجبهة الانفصالية أن المسودة تعكس الموقفين الأمريكي والمغربي، ووصفتها بأنها «انحراف خطير وغير مسبوق» عن مبادئ القانون الدولي وعن القاعدة التي يتناول على أساسها المجلس القضية. وحذرت من أنه في حال اعتماد النص دون تعديلات جوهرية، فلن يكون أمامها سوى الانسحاب من عملية السلام برمتها.
غير أن هذا التهديد، بحسب متتبعين، لا يحمل في طياته جديدا يُذكر. فقد سبق للجبهة أن أعلنت انسحابها من ترتيبات وقف إطلاق النار سنة 2020، وكانت النتيجة أن انقلبت موازين الملف لصالح المغرب، واستمرت الأمور على هذا المنوال حتى اليوم. الفارق هذه المرة أن الانسحاب المطروح يتعلق بالمسار السياسي الذي يشرف عليه مجلس الأمن، وهو ما يطرح سؤالا جوهريا: هل تسعى الجبهة فعلا إلى مغادرة العملية الأممية، أم إلى رفع الكلفة السياسية لأي تحول في المرجعية التفاوضية؟
قراءة استراتيجية في توقيت التصعيد
يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية والأمنية هشام معتضد أن التلويح بالانسحاب ينبغي قراءته في سياق التحولات التي يعرفها الإطار التفاوضي، وليس كموقف احتجاجي معزول. ويشرح أن هناك فارقا جوهريا بين الانسحاب من ترتيبات وقف إطلاق النار، الذي يمس الترتيبات الأمنية الميدانية، والانسحاب من المسار السياسي الذي يستهدف آلية إنتاج التسوية نفسها.
ويضيف أن أهمية التوقيت تكمن في أن القرار 2797 أدخل معطى جديدا إلى معادلة التفاوض، من خلال جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساسا للمباحثات، مع الحفاظ على هدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه وفق مبادئ مجلس الأمن الأممي. وبذلك، انتقل النقاش من ضرورة استئناف المفاوضات إلى الأساس الذي ستنطلق منه، وهو ما يفسر التصعيد الدبلوماسي الحالي.
ويخلص معتضد إلى أن المفارقة الاستراتيجية تتمثل في أن التهديد بالانسحاب قد يمنح صاحبه قدرة ظرفية على لفت الانتباه، لكنه لا يضمن له تغيير اتجاه العملية السياسية، لأن مغادرة طاولة التفاوض لا تعني بالضرورة تعطيل القرار الدولي، بل قد تعني تقليص القدرة على التأثير في مضمونه وآليات تنفيذه.
الجزائر أمام مأزق الخيارات الصعبة
من زاوية أخرى، يرى مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، القيادي العسكري السابق في جبهة البوليساريو، أن المسودة الحالية تضع الجزائر في موقف بالغ الصعوبة، إذ إن القرار برمته لا يوجه أي مطالب للمغرب، بل تنصب كافة المطالبات على البوليساريو والجزائر. ويشير إلى أن خيار الحكم الذاتي بات هو المطروح أمامهما، وفي حال رفضه قد يتجه مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات ضدهما.
ويوضح المتحدث ذاته أن قوة المسودة تكمن في تغييراتها الجوهرية التي تظهر منذ سطرها الأول، من قبيل اعتماد القرار 2797 كمرجعية وحيدة، وتغيير مهام البعثة الأممية، وتكريس الحكم الذاتي كحل دون بديل، فضلا عن إسناد مهمة تسجيل اللاجئين إلى المفوضية السامية دون تدخل من الجزائر أو البوليساريو، وهو ما يعني تجريد الجزائر من كافة أوراقها.
ما الذي يعنيه ذلك للمغرب وللمستقبل؟
بالنسبة للمغرب، تبرز الأهمية الدبلوماسية لهذه المرحلة في استمرار حضور مبادرة الحكم الذاتي داخل المرجعية الأممية، مع بقاء التسوية النهائية موضوعا للتفاوض وفق القرارات المعتمدة. فالتحول الاستراتيجي في النزاعات الممتدة لا يحدث عندما يتوقف أحد الأطراف عن الاعتراض، بل عندما تصبح العملية السياسية أكثر تحديدا في أهدافها وأكثر وضوحا في مسؤوليات المشاركين فيها.
وهنا يبقى الاختبار الحقيقي خلال محطة أكتوبر مرتبطا بقدرة مجلس الأمن على الحفاظ على استمرارية العملية السياسية وتوضيح مسارها المستقبلي، أكثر من ارتباطه بمستوى التصعيد اللفظي. ولمتابعة أبرز التطورات السياسية في المغرب والمنطقة، يمكن الرجوع إلى الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، الذي يواكب هذا الملف بتغطية تحليلية مستمرة.
في المحصلة، تبدو مسودة مجلس الأمن حول الصحراء والحكم الذاتي أشبه باختبار حقيقي لجميع الأطراف: اختبار للبوليساريو في مدى قدرتها على تجاوز خطاب الرفض إلى مقترحات عملية، واختبار للجزائر في مدى استعدادها لتحمل المسؤولية السياسية عن مسار لا تبدو قادرة على التحكم في بوصلته، واختبار للمجتمع الدولي في قدرته على ترجمة التوافق إلى قرار قابل للتنفيذ.
التعليقات (0)
اترك تعليقك