مروحيات أباتشي AH-64E المغرب: محطة جديدة في مسار تحديث القوات الملكية الجوية
في خطوة تعكس عمق الشراكة الدفاعية بين الرباط وواشنطن، أعلن المغرب عن استلامه الدفعة الثالثة من مروحيات أباتشي AH-64E، وهي المنصة القتالية التي تُعد الأكثر تطورا في العالم في مجالي الهجوم والاستطلاع. هذه الدفعة، التي وصلت إلى القاعدة الجوية الأولى بسلا، ترفع إجمالي ما حصل عليه المغرب إلى 19 مروحية من أصل 24 مبرمجة ضمن صفقة تبلغ قيمتها نحو 1.3 مليار دولار. وبهذا يصبح المغرب الدولة الوحيدة في القارة الإفريقية التي تشغّل هذا الطراز المتقدم تحديدا، في مؤشر على مستوى الثقة العسكرية التي تحظى بها المملكة لدى البنتاغون.
سياق الاستلام: اجتماع بريظ وبراون ورسائل ما بعد الصفقة
جاء تسلم الدفعة الثالثة عقب اجتماع عمل جمع الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، بالفريق ماتيو براون، قائد قوة المهام التابعة للجيش الأمريكي في جنوب أوروبا وإفريقيا. وقد خُصص اللقاء لبحث سبل تعزيز التعاون العسكري الثنائي وتطوير الشراكة الاستراتيجية، تنفيذا للتعليمات الملكية السامية للملك محمد السادس، القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة.
وتجاوزت مراسم قص الشريط كونها حدثا بروتوكوليا، إذ حملت دلالات استراتيجية واضحة؛ فحضور مسؤول أمريكي رفيع المستوى إلى قاعدة سلا يعكس رغبة واشنطن في إبراز المغرب كشريك موثوق في منطقة تشهد تحولات أمنية متسارعة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم هذا التحرك ضمن سياق أوسع من العلاقات المغربية الأمريكية التي يعود تاريخها إلى اعتراف الولايات المتحدة بالمغرب سنة 1777، وهو أقدم اتفاق تعاهدي مستمر في التاريخ الأمريكي.
ما الذي يجعل مروحيات أباتشي AH-64E المغرب ورقة رابحة؟
لا يتعلق الأمر بصفقة تسليح تقليدية، بل بمنظومة قتالية متكاملة تمنح القوات الملكية الجوية قدرات نوعية في عدة مجالات. فطراز AH-64E يتميز بقدرته على العمل في بيئات معقدة، مع أنظمة رصد وتصويب متقدمة، وقدرة على التنسيق مع الطائرات دون طيار والوحدات البرية عبر شبكات اتصال مشفرة. وهذه الخصائص تجعله أداة حاسمة في سيناريوهات الدفاع عن الحدود والمناطق الصحراوية المترامية.
- الجاهزية المشتركة: دمج المنصة في المناورات المشتركة يعزز قابلية التشغيل البيني بين القوات المغربية والأمريكية.
- الردع الإقليمي: تعزيز القدرة على مراقبة الحدود والتصدي للتهديدات غير التقليدية.
- نقل المعرفة: تدريب الطيارين والأطقم الأرضية المغربية على أحدث أنظمة القيادة والتحكم.
وفي هذا السياق، أكد الفريق براون أن المروحية “الأكثر تطورا في العالم في مجال الهجوم والاستطلاع” ستدخل قريبا في مناورات تمرين الأسد الإفريقي، أكبر تمرين عسكري مشترك في القارة، ما سيعزز بشكل مباشر جاهزية القوات المشتركة.
خارطة طريق 2026-2036: الإطار الذي يحكم الشراكة
تندرج هذه الدفعة ضمن خارطة طريق التعاون الدفاعي للفترة 2026-2036، التي وُقعت في البنتاغون خلال أبريل الماضي. وتحدد هذه الوثيقة أهدافا واضحة في مجالات التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات، ما يعني أن صفقة الأباتشي ليست حدثا معزولا، بل حلقة في سلسلة طويلة من التعاون المؤسسي. ومن شأن هذا الإطار أن يمنح الرباط رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بدل التعامل مع كل صفقة على حدة.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولا في العقيدة الدفاعية المغربية، من منطق الاقتناء الظرفي إلى منطق البناء التدريجي للقدرات، وهو ما يفسر الحرص على مواكبة كل دفعة ببرامج تدريب وتأهيل للطواقم. ولمتابعة مستجدات هذا الملف وغيره من الملفات الأمنية، يمكن الرجوع إلى الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
قراءة تحليلية: ماذا تعني 19 مروحية للمغرب؟
الرقم في حد ذاته لا يكفي لفهم الأثر، فالمهم هو ما تتيحه هذه الأسطول من خيارات عملياتية. فامتلاك 19 مروحية من طراز واحد يعني إمكانية تشكيل أسراب متعددة، وتوزيعها على جبهات مختلفة، مع الاحتفاظ باحتياطي للصيانة والتدريب. كما أن توحيد الطراز يبسط سلاسل الإمداد ويقلل تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وهي اعتبارات عملية لا تقل أهمية عن القدرة القتالية نفسها.
على المستوى الجيوسياسي، يعزز هذا التطور موقع المغرب كشريك أمني إقليمي، ويؤكد الدور القيادي الذي تحدث عنه المسؤول الأمريكي في مجال الأمن الإقليمي. وبينما تتجه الأنظار إلى المناورات المقبلة، يبقى السؤال المطروح: كيف ستستثمر الرباط هذه القدرات الجديدة في صياغة استراتيجيتها الدفاعية للعقد القادم؟
التعليقات (0)
اترك تعليقك