عاجل

الدبلوماسية الحضارية لاستباق التوترات الدولية: خارطة طريق البلعمشي من باكو إلى العالمية

الدبلوماسية الحضارية لاستباق التوترات الدولية: خارطة طريق البلعمشي من باكو إلى العالمية

الدبلوماسية الحضارية لاستباق التوترات الدولية: رؤية استراتيجية من باكو

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتعقد فيه شبكات المصالح، يبرز مفهوم الدبلوماسية الحضارية لاستباق التوترات الدولية كأحد أهم الأدوات الاستراتيجية لبناء الثقة وتعزيز التعاون. وقد دعا الدكتور عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إلى تبني هذا المفهوم وتفعيله، مستنداً إلى رؤية علمية ومؤسساتية متكاملة، وذلك خلال مشاركته في جلسة رفيعة المستوى بعنوان “دبلوماسية الحضارات والاستشراف الاستراتيجي: استباق التوترات وبناء مسارات شاملة للسلام”، ضمن فعاليات المنتدى العالمي السابع للحوار بين الثقافات المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو.

لم يقتصر طرح البلعمشي على التنظير، بل قدم إطاراً عملياً يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية: الأول يتمثل في توظيف التكنولوجيا والمجتمع الشبكي لترسيخ الحوار بين الأمم وتجاوز ثنائية الصراع التي طرحها صامويل هنتنغتون، والثاني يركز على الاستفادة من الاعتراف الدولي بدور الثقافة والصناعات الثقافية، أما الثالث فيتعلق بـالاستثمار الاستراتيجي للتراكمات التاريخية والمعرفية والمؤسساتية في تعزيز الثقة والتعاون الدولي. هذه المرتكزات الثلاثة تشكل معاً منظومة متكاملة تهدف إلى تحويل المشترك الحضاري من مجرد مجال للتعارف الرمزي إلى مورد استراتيجي لبناء السلام.

من التنظير إلى التطبيق: التحدي الجوهري أمام الدبلوماسية الحضارية

أوضح البلعمشي أن الإشكالية الجوهرية التي تواجه هذا المفهوم تتمثل في كيفية الانتقال من التنظير إلى التطبيق العملي، مشيراً إلى أن ازدهار مفهوم الدبلوماسية الحضارية خلال السنتين الماضيتين لم يواكبه بعد تحويل فعلي إلى أدوات ملموسة. وفي هذا السياق، حدد ثلاثة مستويات متكاملة لترسيخ المفهوم: التشكل والتأصيل، ثم الاستقرار في التداول الأكاديمي، وأخيراً الاعتراف الأكاديمي والحكومي. وشدد على أن المفاهيم العلمية، مهما كانت جاذبيتها، تظل محدودة الأثر ما لم تتفاعل معها الجهات المعنية بإحلال السلام وتدبير الشؤون الدولية.

ولتجسيد هذا الطرح، طرح الأكاديمي المغربي تساؤلات عميقة حول سبل استثمار الدبلوماسية الحضارية كما تأصلت في أدبيات الإيسيسكو، وكيفية توظيف مفاهيم ابن خلدون عن الحضارة كسيرورة تاريخية، ورأس المال الرمزي لدى بيير بورديو لتفسير تحول الموارد الحضارية إلى عناصر للاعتراف والشرعية والتأثير الدولي. هذه التساؤلات تعكس حاجة ملحة إلى بناء مرجعية معرفية مشتركة تستوعب مفاهيم الأنسنة والحضارة والدبلوماسية الحضارية، مع الانفتاح على مختلف المرجعيات الفكرية والعلمية العالمية.

الشبكة الدولية للدبلوماسية الحضارية: أداة للربط بين النظرية والممارسة

أبرز البلعمشي الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به الشبكة الدولية للدبلوماسية الحضارية في مواكبة تطور المفهوم ونقله إلى حيز التطبيق. فهذه الشبكة، وفق رؤيته، قادرة على الإسهام في بناء مرجعية معرفية مشتركة، وتعزيز البحث متعدد التخصصات، وتقريب المعرفة الأكاديمية من احتياجات المؤسسات الدولية العاملة في مجال الحوار وبناء السلام. كما شدد على أهمية الاستفادة من أدوات الاستشراف الاستراتيجي وتحليل النزاعات لفهم الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب إطلاق مبادرات للحوار والتكوين والوساطة.

وفي هذا الإطار، يبرز التعاون مع هيئة الإيسيسكو، ولا سيما مركز الحوار الحضاري وكرسي المنظمة بجامعة القاضي عياض، كإمكانية واعدة للربط بين التأصيل النظري والممارسة العملية، مع الحفاظ على استقلالية البحث العلمي. إن هذا التكامل بين المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الدولية يشكل ضمانة أساسية لتحويل الدبلوماسية الحضارية من مفهوم نظري إلى أداة فعالة لاستباق التوترات الدولية.

نحو استراتيجية شاملة لبناء السلام

تكتسب دعوة البلعمشي أهمية خاصة في ظل تصاعد التوترات الدولية وتعدد بؤر الصراع. فالدبلوماسية الحضارية، كما يطرحها، ليست مجرد إطار نظري، بل هي استراتيجية وقائية تعتمد على فهم عميق للثقافات والتاريخ والمؤسسات، وعلى توظيف التكنولوجيا لتعزيز الحوار. ومن خلال الجمع بين التأصيل النظري والتفاعل المؤسسي والمأسسة، يمكن تحويل المشترك الحضاري إلى مورد استراتيجي لبناء الثقة، وإنتاج مسارات تعاون أكثر شمولاً.

إن متابعة هذه الرؤية تتطلب جهداً جماعياً من الحكومات والأكاديميين والمجتمع المدني. ولمزيد من التحليلات والأخبار المتعلقة بالدبلوماسية الحضارية، ندعوكم لزيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، حيث تجدون تغطية شاملة ومتعمقة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.