عاجل

مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب: خطوة برلمانية لتعزيز النزاهة ومحاربة استغلال النفوذ

مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب: خطوة برلمانية لتعزيز النزاهة ومحاربة استغلال النفوذ

مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب: نحو إطار قانوني شامل للوقاية من استغلال النفوذ

في خطوة تشريعية جديدة تهدف إلى تعزيز قيم النزاهة والشفافية في الحياة العامة، تقدم الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب بمقترح قانون تنازع المصالح في المغرب، وهو نص يروم سد الفراغ القانوني في مجال الوقاية من تضارب المصالح ومحاربته. يأتي هذا المقترح في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية بضرورة محاسبة المسؤولين المنتخبين والموظفين العموميين على استغلال مناصبهم لتحقيق منافع شخصية، مما يجعل من هذا النص محطة مهمة في مسار إصلاح المنظومة القانونية المغربية.

يهدف المقترح، الذي قدمه الفريق يوم الاثنين، إلى إرساء آليات مؤسساتية لرصد حالات تنازع المصالح والتدخل لمعالجتها، مع تحديد المسؤوليات والعقوبات المترتبة عن مخالفة الأحكام القانونية. ويأتي هذا التحرك البرلماني بعد سلسلة من التقارير الحقوقية التي أشارت إلى الحاجة الملحة لتقنين هذا المجال، خاصة في ظل تعدد حالات استغلال النفوذ التي شهدتها الساحة الوطنية في السنوات الأخيرة.

القيود المفروضة على المسؤولين والمنتخبين

يتضمن مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب مجموعة من القيود الصارمة التي تستهدف منع استغلال المناصب والمسؤوليات لتحقيق امتيازات شخصية. ومن أبرز هذه القيود:

  • منع طلب الهدايا أو قبولها من أشخاص أو شركات تربطهم مصالح أو معاملات بالإدارة التي يعملون بها، سواء كانت الهدايا موجهة إليهم شخصيا أو إلى أزواجهم أو أقاربهم.
  • تجنب اتخاذ قرارات إدارية أو تأديبية أو إبرام عقود وصفقات مع مؤسسات خاصة سبق للمسؤول العمل لديها أو تقديم خدمات لها خلال السنوات الخمس السابقة لتعيينه، وذلك خلال السنتين الأوليين من توليه مهامه.
  • فرض قيود بعد مغادرة المنصب، حيث يمنع المسؤول خلال السنة الموالية لانتهاء مهامه من تمثيل أشخاص أو مؤسسات أمام الإدارات التي سبق له العمل بها، كما يحظر عليه لمدة خمس سنوات العمل أو تقديم خدمات أو المساهمة في رأسمال مؤسسات سبق أن مارس عليها مهام الرقابة أو الإشراف.
  • منع استعمال المعلومات غير المتاحة للعموم التي اطلع عليها المسؤول بحكم وظيفته لتحقيق منافع خاصة، حتى بعد انتهاء مهامه.

هذه القيود تعكس فهما عميقا لطبيعة تنازع المصالح، الذي لا يقتصر على فترة تولي المسؤولية فحسب، بل يمتد إلى ما قبلها وما بعدها، مما يتطلب إطارا قانونيا استباقيا وزجريا في آن واحد. وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم تضارب المصالح أصبح يشكل تحديا عالميا في مجال الحكامة، وقد اعتمدت العديد من الدول تشريعات صارمة لمواجهته.

العقوبات الزجرية: مصادرة المنافع والحرمان من التوظيف

على مستوى العقوبات، يقترح النص مجموعة من الإجراءات الزجرية الصارمة التي تستهدف كل من يستغل عمدا وضعية تنازع المصالح أو موقعه الوظيفي للحصول على منفعة غير مستحقة. وتشمل هذه العقوبات:

  • مصادرة المنافع المحصلة أو ما يعادل قيمتها وإرجاعها إلى الإدارة المتضررة.
  • الحرمان من حق الترشح أو التعيين في الوظائف العمومية لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
  • نشر الأحكام القضائية الصادرة بالإدانة، مما يعزز من الردع الاجتماعي.
  • اعتبار الإخلال بأحكام القانون خطأ مهنيا يستوجب العقوبات التأديبية المنصوص عليها في الأنظمة الأساسية.

كما يقترح الفريق إمكانية إحالة ملفات أعضاء المجالس المنتخبة المتعلقة بحالات تنازع المصالح إلى السلطات المختصة قصد مباشرة مسطرة العزل، وفقا للقوانين التنظيمية للجماعات الترابية. ويأتي هذا الإجراء في إطار تعزيز آليات المحاسبة على المستوى المحلي، حيث تشير تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى تسجيل حالات عديدة لتضارب المصالح في تدبير الشأن المحلي.

آليات الرصد والمراقبة المؤسساتية

إلى جانب القيود والعقوبات، يركز مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب على إرساء آليات مؤسساتية للرصد والمراقبة، بهدف تعزيز حياد القرار الإداري وتكافؤ الفرص والمنافسة المشروعة. ويقترح النص إلزام السلطة المختصة بالبت في مقترحات المتابعة التأديبية المحالة عليها داخل أجل ستين يوما، وإخبار الهيئة المعنية بالقرارات المتخذة ومبرراتها. هذا التوجه يعكس رغبة في تجاوز المقاربة العقابية البحتة إلى مقاربة وقائية تعتمد على التتبع المستمر والتقييم الدوري.

وفي هذا السياق، يمكن مقارنة هذا المقترح بالتجارب الدولية الرائدة، مثل تجربة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي أصدرت مبادئ توجيهية لإدارة تضارب المصالح في القطاع العام. كما أن المغرب، من خلال انخراطه في شراكة الحكومة المنفتحة، ملتزم بتعزيز الشفافية والنزاهة، مما يجعل هذا المقترح خطوة متسقة مع التزاماته الدولية.

التحديات والآفاق المستقبلية

رغم الطابع الإيجابي للمقترح، فإن نجاحه يبقى رهينا بتجاوز مجموعة من التحديات، أبرزها ضمان استقلالية الهيئات المكلفة بالرصد، وتوفير الموارد البشرية والمالية الكافية، وضمان تعاون الإدارات المختلفة. كما أن تحديد مفهوم “المنفعة غير المستحقة” بدقة يكتسي أهمية قصوى لتجنب التأويلات الفضفاضة التي قد تعرقل تطبيق النص.

ومن المنتظر أن يحيل مكتب مجلس النواب هذا المقترح على اللجنة المختصة لدراسته، قبل عرضه في الجلسة العامة للمناقشة والتصويت. وإذا ما تمت المصادقة عليه، سيشكل إضافة نوعية للمنظومة القانونية المغربية، وسيعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة. ولمتابعة آخر المستجدات السياسية والبرلمانية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

في المحصلة، يمثل مقترح قانون تنازع المصالح في المغرب خطوة جريئة نحو ترسيخ قيم النزاهة والمساءلة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لضمان تطبيقه على أرض الواقع، بعيدا عن الحسابات الظرفية. ويبقى الرهان الأكبر هو تحويل النصوص القانونية إلى ممارسات يومية تحد من الفساد وتعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.