عاجل

محاكمة اختلالات قناة تمازيغت: تأجيل جديد يكشف عن تعقيدات الملف المالي

محاكمة اختلالات قناة تمازيغت: تأجيل جديد يكشف عن تعقيدات الملف المالي

تأجيل جديد في محاكمة اختلالات قناة تمازيغت: ما الذي يعيق حسم الملف؟

في تطور قضائي لافت، قررت غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالرباط، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، تأجيل النظر في ملف محاكمة اختلالات قناة تمازيغت إلى جلسة 14 دجنبر المقبل. ويأتي هذا القرار بعد أشهر من التحقيقات التفصيلية التي طالت المدير السابق للقناة، محمد مماد، وعدداً من المسؤولين ومسيري شركات الإنتاج، على خلفية شبهات فساد مالي وإداري همت الفترة الممتدة بين 2013 و2017، وفقاً لتقارير المجلس الأعلى للحسابات.

هذا التأجيل ليس الأول من نوعه في مسار هذه القضية، لكنه يعكس حجم التعقيدات القانونية والمحاسبية التي تحيط بها. فملفات جرائم الأموال غالباً ما تتطلب تدقيقاً موسعاً في الوثائق المالية وشهادات الخبراء، وهو ما قد يفسر إرجاء البت في القضية أكثر من مرة. وتجدر الإشارة إلى أن التحقيق التفصيلي الذي انتهى في أكتوبر الماضي أسفر عن متابعة المتهمين في حالة سراح بتهمة “تبديد أموال عمومية والمشاركة في ذلك”، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش قانوني حول طبيعة الأدلة ومدى كفايتها لإصدار حكم حاسم.

خلفيات القضية: من تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى قاعة المحكمة

تعود جذور هذه القضية إلى تقارير صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات، الذي رصد اختلالات مالية وإدارية في تدبير قناة تمازيغت (الثامنة) خلال الفترة 2013-2017. وتشمل هذه الاختلالات، حسب ما تسرب من معطيات، تجاوزات في صرف الميزانيات المخصصة للإنتاج، وعدم احترام مساطر الصفقات العمومية، وتضارب مصالح محتمل بين مسؤولي القناة وشركات الإنتاج المتعاقدة معها. وقد أحالت هذه التقارير إلى النيابة العامة، التي باشرت بدورها تحقيقات معمقة انتهت بإحالة المتهمين على غرفة الجنايات.

ومن المثير للانتباه أن القضية تزامنت مع نقاش أوسع حول حكامة المؤسسات الإعلامية العمومية في المغرب، خاصة بعد سلسلة من التقارير الرقابية التي كشفت عن اختلالات مماثلة في قطاعات أخرى. ويطرح هذا السياق تساؤلات حول فعالية آليات الرقابة الداخلية والخارجية، ومدى قدرتها على ردع الممارسات غير القانونية قبل تفاقمها.

تحليل قانوني: لماذا يتكرر التأجيل في قضايا الأموال العامة؟

يرى خبراء في القانون الجنائي أن تأجيل جلسات محاكمة اختلالات قناة تمازيغت قد يعود إلى عدة أسباب إجرائية، منها:

  • تعقيد الملفات المالية: يتطلب البت في قضايا تبديد المال العام خبرة محاسبية دقيقة، وغالباً ما تستعين المحكمة بخبراء لتقييم حجم الأضرار المالية.
  • كثرة المتهمين وتشابك المسؤوليات: وجود مدير سابق ومسؤولين ومسيري شركات إنتاج يعني ضرورة الاستماع إلى جميع الأطراف ومواجهة التصريحات.
  • طلبات الدفاع: قد يطلب محامو الدفاع مهلاً إضافية لإعداد مذكراتهم أو للطعن في تقارير الخبرة.
  • ضغط الجدول الزمني للمحكمة: غالباً ما تكون غرف جرائم الأموال مكتظة بالقضايا، مما يؤثر على وتيرة النظر.

ويشير المحامي عبد الرحيم بوعزة، في تصريح لـالجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، إلى أن “تأجيل القضايا المالية ليس بالضرورة مؤشراً على ضعف الملف، بل قد يكون إجراءً لضمان حقوق الدفاع وتطبيق مبدأ المحاكمة العادلة”. لكنه يضيف أن “الإطالة غير المبررة قد تثير قلق الرأي العام حول نجاعة القضاء في التعامل مع ملفات الفساد”.

انعكاسات القضية على مشهد الإعلام العمومي

بغض النظر عن نتيجة المحاكمة، فإن ملف اختلالات قناة تمازيغت يسلط الضوء على تحديات كبيرة تواجه الإعلام العمومي في المغرب. فقناة تمازيغت، التي أُطلقت عام 2010، تُعدّ منصة رئيسية للترويج للثقافة الأمازيغية، لكنها واجهت انتقادات متكررة بشأن جودة البرامج وكفاءة التدبير. وقد تكون هذه القضية فرصة لإعادة النظر في نماذج الحكامة المعتمدة، وتعزيز آليات الشفافية والتتبع.

وفي هذا السياق، يدعو فاعلون مدنيون إلى ضرورة نشر تقارير المجلس الأعلى للحسابات المتعلقة بالمؤسسات الإعلامية العمومية بشكل دوري، وإشراك البرلمان في متابعة تنفيذ التوصيات. كما يطالبون بتعزيز استقلالية أجهزة الرقابة الداخلية داخل القنوات العمومية، حتى تتمكن من رصد أي تجاوزات في وقت مبكر.

ما الذي ينتظر جلسة 14 دجنبر؟

من المرتقب أن تشهد الجلسة المقبلة استكمال الاستماع إلى المتهمين ومرافعات الدفاع، قبل أن تحسم المحكمة في الطلبات الإجرائية. وإذا ما تم البت في الملف، فإن الحكم قد يشكل سابقة قضائية في التعامل مع قضايا الفساد داخل المؤسسات الإعلامية العمومية. وفي حال تأجيل جديد، فقد يتصاعد الجدل حول بطء العدالة في ملفات حساسة كهذه.

ومهما كانت النتيجة، فإن قضية محاكمة اختلالات قناة تمازيغت تبقى اختباراً حقيقياً لمصداقية منظومة الحكامة والشفافية في المغرب، وتذكيراً بأن حماية المال العام مسؤولية جماعية تتطلب يقظة دائمة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.