استثمارات الوكالة الوطنية للمياه والغابات 2027-2029: تحول استراتيجي نحو غابات مستدامة
في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بالقطاع الغابوي، أعلنت الوكالة الوطنية للمياه والغابات عن برمجة استثمارات الوكالة الوطنية للمياه والغابات 2027-2029 بقيمة إجمالية تبلغ 8.45 مليار درهم. هذا التمويل الضخم ليس مجرد رقم، بل هو ترجمة مالية لاستراتيجية “غابات المغرب 2020-2030” التي تهدف إلى إنقاذ النظم البيئية الغابوية من التدهور بعد سنوات من الجفاف والإجهاد المائي. ووفقاً للمعطيات الرسمية، فإن هذه الاستثمارات تأتي في إطار مسار تصاعدي بدأ بـ 816 مليون درهم في 2025، ليرتفع إلى 940 مليون درهم في 2026، قبل أن يتجاوز حاجز المليار درهم سنوياً ابتداءً من 2027. وبهذا تصبح الوكالة أحد أبرز المستثمرين العموميين في قطاع الفلاحة والصيد البحري، حيث تنتقل استثمارات القطاع ككل من 6.11 مليار درهم في 2025 إلى 9.15 مليار درهم في 2027.
سياق مالي واعد: من 816 مليون درهم إلى أكثر من مليار سنوياً
لفهم حجم هذا التحول، يكفي مقارنة الميزانية الاستثمارية للوكالة خلال السنوات الأخيرة. ففي سنة 2025، بلغت الاعتمادات المخصصة للاستثمار 2.33 مليار درهم، لكن نسبة الإنجاز لم تتجاوز 35% (أي 816 مليون درهم فعلياً)، بينما بلغت نسبة إنجاز التسيير 87% من أصل 1.19 مليار درهم. أما في 2026، فقد تم رفع سقف الطموح إلى 940 مليون درهم، مع توقعات بتجاوز مليار درهم في 2027. هذه الزيادة تعكس إرادة سياسية واضحة لدعم القطاع الغابوي، الذي يعتبر ركيزة أساسية في التنمية المستدامة ومحاربة التغير المناخي. وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة، بصفتها مؤسسة غير تجارية، استفادت في 2025 من تحويلات حكومية بقيمة 600 مليون درهم خصصت بالكامل للتسيير، مما يسمح بتوجيه مواردها الذاتية نحو الاستثمار.
أهداف استراتيجية: حماية المجال الغابوي وتعزيز التنوع البيولوجي
تسعى استثمارات الوكالة الوطنية للمياه والغابات 2027-2029 إلى تحقيق جملة من الأهداف الطموحة، أبرزها:
- تأمين الملكية الغابوية: بلغت المساحة المحفظة بين 2021 و2025 حوالي 480 ألف هكتار، لترتفع المساحة الإجمالية المحفظة إلى 6.8 مليون هكتار، بنسبة تأمين تصل إلى 88% من أصل 8 ملايين هكتار محددة.
- تشجير وإعادة تأهيل النظم البيئية: تمت برمجة تشجير 76 ألف هكتار في 2026، مع التركيز على الأنواع المحلية والتقنيات المقاومة للجفاف. وقد انطلقت حملة التشجير 2025-2026 على مساحة 38,135 هكتاراً، إضافة إلى أعمال سلفنة على 23,231 هكتاراً.
- فتح المسالك الغابوية: تم فتح وصيانة أكثر من 227 كيلومتراً من المسالك في 2025 باستثمار يفوق 117 مليون درهم، مع إطلاق دراسات لأكثر من 1100 كيلومتر إضافية.
- الوقاية من الحرائق: شهد عام 2025 تسجيل 418 حريقاً أتت على 1728 هكتاراً، وهو مستوى أقل بنسبة 64% من متوسط العقد الأخير (4860 هكتاراً). وقد تم دعم هذا الانخفاض بإجراءات وقائية شملت صيانة 120 كيلومتراً من الممرات المضادة للنيران، وتنظيف 500 هكتار، وتجهيز 22 نقطة ماء، وتعبئة 1480 مراقباً.
- تعزيز المراقبة عبر الأقمار الاصطناعية: تعتمد الوكالة على صور الأقمار النانوية لمراقبة ما يقارب 6 ملايين هكتار من الغابات بشكل شبه فوري، مما يحسن أنظمة التنبؤ والإنذار.
كما تشمل الاستثمارات تطوير المنتزهات الوطنية، ومعالجة الأحواض المائية في المناطق المتضررة من زلزال الحوز، وتقوية آليات مكافحة الحرائق. وفي سياق متصل، سجل عدد المخالفات الغابوية انخفاضاً بنسبة 40% ليصل إلى 7200 مخالفة في 2025، مما يعكس نجاعة الحملات التوعوية والرقابية.
بعد بيئي واقتصادي: الاستثمارات المناخية والشراكات المؤسسية
لا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي. فقد كانت الوكالة من بين 10 مؤسسات عمومية تم اختيارها في 2025 لإجراء أول تقييم للاستثمار المناخي، إلى جانب مجموعات كبرى مثل OCP وTMSA وCDG وAl Omrane وMasen وADM وONDA وANDZOA وONEE. وفي 2026، توسعت العملية لتشمل 40 كياناً، قدم 19 منها مشاريع ذات صلة بالمناخ، من بينها الوكالة نفسها إلى جانب وكالات أخرى مثل ADA وANDZOA وONP. هذا الاعتراف المؤسسي يعزز مكانة الوكالة كفاعل رئيسي في التحول البيئي، ويفتح الباب أمام تمويلات إضافية من صناديق المناخ الدولية.
وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة، يكتسب الاستثمار في الغابات أهمية مضاعفة. فبعد سبع سنوات من الجفاف، عادت الأمطار الغزيرة في شتاء 2025-2026 لتعيد الاخضرار إلى مساحات واسعة، كما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية لبرنامج كوبرنيكوس. وقد بلغت الموارد المائية المتاحة 11.8 مليار متر مكعب بحلول 20 فبراير، بزيادة 155% عن العام السابق. هذه المؤشرات الإيجابية، رغم هشاشتها، تدعم الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في الحفاظ على الغابات وتوسيعها.
للمزيد من التفاصيل حول الاستراتيجية الوطنية للغابات، يمكن الرجوع إلى مفهوم الغابات على ويكيبيديا، كما يمكن متابعة آخر الأخبار الاقتصادية والبيئية عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خلاصة: نحو غابات مغربية أكثر صموداً
إن استثمارات الوكالة الوطنية للمياه والغابات 2027-2029 ليست مجرد أرقام في الميزانية، بل هي خارطة طريق لإنقاذ إرث طبيعي ثمين. ومن خلال الجمع بين التشجير، وحماية الملكية الغابوية، ومكافحة الحرائق، والمراقبة الفضائية، تسعى الوكالة إلى بناء غابات قادرة على الصمود في وجه التغير المناخي. ومع تزايد الوعي بأهمية الغابات في الأمن المائي والغذائي، فإن هذه الاستثمارات تمثل استثماراً في مستقبل الأجيال القادمة. ويبقى التحدي الأكبر هو ضمان حسن تنفيذ هذه البرامج وتحقيق نسب إنجاز عالية، على غرار ما تحقق في 2025 رغم الظروف الصعبة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك