عاجل

التقاء العلم والضمير: أكاديمية المملكة تستكشف أخلاقيات الطب والوعي الثقافي

التقاء العلم والضمير: أكاديمية المملكة تستكشف أخلاقيات الطب والوعي الثقافي

شكلت أخلاقيات الطب دائمًا محورًا للجدل والتفكير العميق، لكنها تكتسب أبعادًا جديدة عند تقاطعها مع خصوصيات المجتمعات ووعيها الثقافي. في هذا السياق، استضافت أكاديمية المملكة المغربية مؤخرًا ملتقى مغربي-فرنسي بارز، جمع نخبة من الباحثين والمتخصصين لمناقشة قضايا حيوية تتعلق بـ أخلاقيات الطب والوعي الثقافي، وكيف يمكن للعلم الحديث أن يتعامل مع التفسيرات المحلية والاجتماعية للمرض والصحة.

سلط الملتقى الضوء على ضرورة تجاوز النظرة الضيقة للعلم البحت، وتبني مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانية والثقافية، مما يضمن ممارسة طبية أكثر إنصافًا وفعالية.

فهم الوعي المحلي: بُعد أساسي في أخلاقيات الطب والوعي الثقافي

قدم الأنثروبولوجي المغربي البارز، حسن رشيق، عضو أكاديمية المملكة، رؤى معمقة حول أهمية فهم «اللاعقلاني» في سياق التطبيب. شدد رشيق على أن التفسيرات المحلية للمرض، التي قد تربطه بالجن أو بالسحر، ليست مجرد خرافات، بل هي أنماط تفكير متجذرة في البيئة الثقافية للمريض. وأكد أن الطبيب أو الباحث مطالب بالإصغاء إلى هذا الوعي المحلي لفهم عميق لمعاناة المريض وسبل التعامل معها.

ولفهم هذه الأبعاد، يرى رشيق أنه من الضروري توفر معرفة كافية بـ الأنثروبولوجيا الثقافية للشخص المريض. ففي العديد من المناطق، يعتبر الناس الجن جزءًا من عالم موازٍ، وتُستخدم ألفاظ وكنايات معينة للإشارة إليهم. هذه التوصيفات، بحسب رشيق، هي بمثابة مفاتيح لفهم نظرة المريض لمرضه، سواء كان يراه خارجًا عن إرادته (مثل الجن أو القدر) أو نتيجة تدخلات بشرية (كالسحر أو العين الشريرة).

العدالة الصحية: ضرورة أخلاقية ومجتمعية

من جانبها، ركزت رجاء العواد، عضو أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، على قضية اللاعدالة في المنظومات الصحية. أكدت العواد أن هذه البنيات غير العادلة هي بالأساس قضايا أخلاقية واجتماعية، تنشأ عن محددات متعددة وتتطلب مقاربات متعددة الأبعاد. وأوضحت أن تعزيز الإنصاف في الصحة يعني الدفاع عن الكرامة الإنسانية ومكافحة الوصم، بالإضافة إلى تعزيز التضامن والاعتراف بأن الصحة حق أساسي وليست امتيازًا.

أشارت العواد إلى أن هذه الفوارق الصحية، التي غالبًا ما تُكرس من خلال سياسات وممارسات غير عادلة، تتطلب مسؤولية جماعية من صناع القرار والمؤسسات والمجتمع بأسره. ومن أجل تحقيق ذلك، شددت على أهمية:

  • المشاركة المجتمعية الفاعلة: تمكين الأفراد والمجتمعات من صياغة سياساتهم الصحية.
  • الشفافية والمساءلة: لتحسين أداء الحكومات والحد من الفساد في إدارة الموارد الصحية.
  • تحسين شبكة العلاقات: بين العاملين في القطاع الصحي وتصميم الخدمات.

مبدأ الحيطة في البحث العلمي: تحديات ومستقبل

وفي مداخلة قدمت بالنيابة عنها، تناولت الباحثة نزهة جسوس مبدأ الحيطة في البحث العلمي الصحي. أشارت جسوس إلى أن التطورات العلمية والتقنية، رغم مساهمتها في تقليل العديد من المخاطر، إلا أنها في الوقت نفسه قد خلقت تهديدات جديدة وغير متوقعة، كما اتضح من جائحة كوفيد-19.

يقتضي مبدأ الحيطة اتباع نهج استباقي لتقييم المخاطر المحتملة، حتى تلك التي لم تثبت بعد، ووضع إجراءات لتقليلها أو تحييدها. ومع ذلك، حذرت جسوس من أن هذا المبدأ قد يؤدي أحيانًا إلى إبطاء الأبحاث الضرورية، مما يستدعي مراعاة مبدأ التناسب. كما أبرزت أهمية توسيع نطاق تطبيق مبدأ الحيطة في ظل التطور المتزايد للذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة، لمواجهة التحديات الأخلاقية الجديدة، بما في ذلك التحيزات النمطية المتعلقة بالنوع الاجتماعي التي قد تؤثر على البيانات.

تؤكد هذه المداخلات المختلفة أن أخلاقيات الطب والوعي الثقافي ليسا مجرد مفاهيم نظرية، بل هي أسس راسخة لمستقبل الرعاية الصحية. إن بناء نظام صحي عادل وفعال يتطلب حوارًا مستمرًا بين العلم والضمير، مع احترام التنوع الثقافي وضمان كرامة الإنسان. إن هذا الملتقى يعكس التزام أكاديمية المملكة المغربية بتحفيز هذا النقاش الحيوي الذي يصب في مصلحة الإنسانية جمعاء. للمزيد من الأخبار والتغطيات حول هذا الموضوع، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.