عمر عزيمان: المصالحة والذاكرة الجماعية… رؤية لمستقبل المغرب
في نقاش معمق حول فلسفة ومآل تجارب العدالة الانتقالية، استضافت مدينة الناظور مؤخراً الدورة الرابعة عشرة من مهرجان السينما والذاكرة المشتركة، بمشاركة متدخلين من قارات مختلفة. كان المستشار الملكي والرئيس السابق للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، عمر عزيمان، أحد أبرز المتحدثين، حيث شدد على أن المصالحة الحقيقية لا تبنى على النسيان، بل على التذكر واستخلاص العبر.
هيئة الإنصاف والمصالحة: تجربة مغربية فريدة
أوضح عزيمان أن “الاجتهاد المغربي” من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة، والذي يعود تاريخه إلى حوالي 20 عاماً مضت، يمثل “جديداً في التجارب الدولية المقارنة للعدالة الانتقالية”. وأشار إلى أن الهيئة أولت اهتماماً كبيراً لحفظ الذاكرة، رغم أنها لم تستطع التفرغ التام لأبعادها الرمزية والإنسانية.
وأكد عزيمان أن التجربة المغربية قامت على “التراكم والتدرج”، وأثبتت أن المصالحة لا تقوم على اجترار الماضي، بل على التطلع إلى المستقبل بأسس من العدالة والكرامة.
ترسيخ الذاكرة الجماعية: تحدي الأجيال الصاعدة
المستشار الملكي، الذي سبق له ترؤس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، شدد على أن التحدي الحالي يتجاوز مجرد “صون المكتسبات المؤسساتية والتشريعية” المستقاة من توصيات الهيئة. بل يكمن في “ترسيخ روح العدالة الانتقالية في الوعي الجماعي للأجيال الصاعدة”.
ولتحقيق ذلك، دعا عزيمان إلى ضرورة إدراج مبادئ هذه التجربة في البرامج الدراسية والجامعية ومراكز البحث العلمي، بالإضافة إلى التكوين الأكاديمي للقضاة ورجال الأمن والصحافيين وغيرهم، لتبقى “ذاكرة حية” تساهم في بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي. كما نادى بـ”تشجيع الندوات والدراسات” لإغناء النقاش العمومي حول مستقبل الحقوق والحريات.
إنجازات الهيئة وتطلعات المستقبل
وصف عزيمان تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة بأنها “مسار هادئ ومسؤول للمغرب”، أسفر عن “جبر الضرر الفردي والجماعي” لحوالي 27 ألف ضحية، ثلثهم نساء، بصرف تعويضات تجاوزت 200 مليون دولار. كما شملت إنجازاتها تسوية الوضعيات الإدارية للمئات، والتكفل بعشرات حالات التأهيل الصحي والإدماج الاجتماعي.
وفيما يخص “المساءلة الجنائية”، أوضح عزيمان أنها تركت جانباً مع حرية التصرف فيها لكل جمعية أو فرد، نظراً لكونها ظلت “مسألة خلافية داخل حركة حقوق الإنسان والتجارب الدولية”. وختم مداخلته بالقول إن الهيئة ليست مجرد ماضٍ، بل هي “مشروع وطني للمصالحة والذاكرة المشتركة، بروح توافقية وتطلع إلى مستقبل أفضل” للمغرب، مؤكداً على أهمية ترسيخ روحها في الوعي الجمعي للأجيال القادمة لبناء الديمقراطية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك