عاجل

فيضانات المغرب: هل حان وقت إعادة تعريف توزيع المسؤوليات بين المنتخبين ورجال السلطة؟

فيضانات المغرب: هل حان وقت إعادة تعريف توزيع المسؤوليات بين المنتخبين ورجال السلطة؟

أعادت الفيضانات المدمرة التي اجتاحت مؤخرًا مدنًا مغربية عدة، على رأسها آسفي وطنجة، إلى الواجهة النقاش المتجدد حول الحكامة المحلية وفعالية تدبير المجال الحضري. إلا أن هذه الكوارث الطبيعية لم تسلط الضوء فقط على هشاشة البنية التحتية، بل كشفت أيضًا عن إشكالية بنيوية أعمق تتعلق بتوزيع المسؤوليات بين المنتخبين ورجال السلطة في المغرب. ففي حين توجّه سهام النقد غالبًا بشكل شبه كلي نحو المجالس المنتخبة، يظل دور السلطات المحلية، بما تملكه من صلاحيات واسعة وتأثير فعلي في القرار الترابي، محاطًا بصمت لافت، مما يعكس خللاً يجب معالجته بشكل عاجل.

يرى العديد من المتابعين للشأن العام أن الإفراط في تحميل المنتخبين وحدهم وزر الاختلالات والكوارث، مع غض الطرف عن المسؤولين الفعليين من ولاة وعمال، ينطوي على تحامل غير مبرر. هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهريًا حول النموذج المعتمد في التدبير العمومي، الذي يتجاوز مجرد ظرفية الفيضانات ليمس جوهر العلاقة بين الفاعل السياسي المنتخب ورجل السلطة المعين، وباقي المتدخلين في الشأن المحلي.

إشكالية توزيع المسؤوليات بين المنتخبين ورجال السلطة: أبعاد تاريخية وواقعية

يؤكد خبراء القانون الدستوري أن نظام التدبير العمومي في المغرب محكوم بمرجعيتين أساسيتين: إحداهما معيارية ظاهرة تستند إلى الدستور والقوانين، والأخرى ضمنية متجذرة في “الثقافة المؤسساتية للدولة المغربية”، التي تمزج بين الحداثة والتقاليد. ضمن هذه المرجعية الثانية، يبرز رجل السلطة كفاعل محوري يتمتع بسلطة مرجعية قوية واختصاصات واسعة، تعززها غالبًا “فائض سلطة” مستمد من هذه الثقافة المؤسساتية المتوارثة.

عمليًا، يقوم تدبير المجال الترابي على ثلاثة أقطاب رئيسية: المنتخب، رجال السلطة، وممثلي المصالح اللاممركزة. لكن رجل السلطة يحتل موقعًا خاصًا؛ فهو يجمع بين مراقبة المشروعية ومراقبة الملاءمة، وهي سلطة تقديرية قد تتجاوز في كثير من الحالات حدود القانون المعلنة. هذا النموذج، الذي يعود في جذوره إلى سبعينيات القرن الماضي، أضحى اليوم يفقد صلاحيته ونجاعته، خصوصًا في ظل ضعف آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة.

على الرغم من خضوع رجال السلطة نظريًا للرقابة الإدارية وهيئات التفتيش، إلا أن المتابعات القضائية بحقهم تظل محدودة جدًا مقارنة بالمنتخبين، ويرجع ذلك جزئيًا إلى امتيازات قضائية يتمتعون بها أثناء أداء مهامهم كضباط للشرطة القضائية. هذا التباين يخلق بيئة يجد فيها المواطن صعوبة في تحديد المسؤول الفعلي عن الفشل أو الإهمال، مما يغذي الشعور بالإحباط وعدم الثقة في المنظومة.

المسؤولية المتعددة الأوجه: من البنية التحتية إلى المجتمع المدني

ما كشفته الفيضانات الأخيرة في مدن مثل طنجة وآسفي هو خلل عميق لا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد ليشمل منظومة التعمير والبنية التحتية بأكملها. هذه المسؤولية تتوزع على مستويات عدة:

  • دور الولاة والعمال وأجهزتهم: في المراقبة الدقيقة ومنح الرخص، والتي تتطلب يقظة وصرامة لضمان الالتزام بالمعايير الهندسية والبيئية.
  • طبيعة المقاولات المكلفة بالأشغال: ومدى تأهيلها وكفاءتها، مع ضرورة تطبيق معايير الجودة والشفافية في صفقات المشاريع العمومية.
  • مسؤولية المنتخبين: التي، وإن كانت لا توازي سلطة رجال السلطة، إلا أنها تبقى الأكبر والأكثر مباشرة في تدبير الشأن المحلي، بحكم الشرعية التي اكتسبوها من صناديق الاقتراع. فالمنتخب مطالب بتحمل تبعات قراراته، بل وحتى تقديم الاستقالة عند الفشل في حماية المصلحة العامة.

يُشار إلى أن المنتخبين غالبًا ما يعلقون فشلهم على “السلطة السيادية” ممثلة في الولاة والعمال، إلا أن الواقع غالبًا ما يكشف عن نوع من التوافق الميداني بين الطرفين، مما يجعل المسؤولية مشتركة. لو قام المنتخب بدوره كاملاً ورفع تقارير واضحة وطالب بإصلاحات ملموسة، لتحملت السلطة المحلية مسؤوليتها كاملة في اتخاذ الإجراءات اللازمة. كما أن المسؤولية لا تتوقف عند المنتخب ورجل السلطة فقط، بل تمتد لتشمل المجتمع المدني والمثقفين في التوعية والمتابعة والضغط من أجل سياسات عمومية أكثر نجاعة وشفافية.

نحو نموذج تدبيري جديد: دعوة إلى إصلاح جذري

إن أي إصلاح حقيقي في المغرب يظل رهينًا بكسر “التابو” غير المعلن الذي يعفي فائض السلطة من النقد والمساءلة، وبإعادة توزيع المسؤوليات بين المنتخبين ورجال السلطة في المغرب بشكل عادل وواضح. ولن ينجح المغرب في مواجهة كوارث المستقبل بمنطق تحميل طرف واحد وزر فشل منظومة بأكملها. يتطلب الانتقال إلى نموذج تدبيري جديد يقوم على ركائز واضحة:

  • تفعيل حقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة: يجب أن تشمل هذه الآلية جميع المتدخلين دون استثناء، وأن تكون المحاسبة سريعة وشفافة وعادلة.
  • تنزيل فعلي لمبدأ التدبير الحر للجماعات المنتخبة: منح المجالس المنتخبة صلاحيات أوسع وحرية أكبر في اتخاذ القرارات، مع تعزيز قدراتها التدبيرية والتقنية.
  • التحديد الدقيق لسلطة التنسيق مع المصالح اللاممركزة: ضمان ألا تتحول سلطة التأشير إلى أداة سياسية تستخدم للتحكم في إيقاع التنمية والحياة السياسية المحلية، بل أن تقتصر على أدوارها الرقابية والتنسيقية المحددة قانونيًا.

إن تبني مبادئ الحكامة المحلية الرشيدة والشفافية والمساءلة سيضمن بناء بنية تحتية مقاومة للكوارث، وإدارة حضرية أكثر فعالية، ومواطنة واعية ومسؤولة. لمزيد من التحليلات والتقارير حول الشأن العام المغربي، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.