يتجدد النقاش في المغرب دورياً حول قرار اعتماد الساعة الإضافية، التي تثير جدلاً واسعاً بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. فبينما تدافع الجهات الرسمية عن هذا التوقيت بذرائع اقتصادية وتقنية، يبرز رفض شعبي متزايد، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول تأثير الساعة الإضافية على المجتمع المغربي ومدى التوازن بين منطق الحكامة التقنية ومنطق القبول الاجتماعي. يكشف هذا الوضع عن فجوة تتسع بين صانع القرار والمواطن، وتدعو إلى إعادة تقييم شاملة لهذا الخيار الاستراتيجي.
الساعة الإضافية: بين المنطق الاقتصادي ومتطلبات الرفاه البشري
صُمم قرار اعتماد الساعة الإضافية في المغرب، وفقاً لخبراء، داخل دوائر تعتمد بشكل أساسي على حسابات النجاعة الاقتصادية. تهدف هذه الحسابات إلى تحقيق عدة أهداف، منها توحيد التوقيت مع الشركاء التجاريين للمملكة، وتقليص كلفة الطاقة والإدارة، مما يعكس منطق التكلفة والمنفعة قصير المدى. يتم التركيز على مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي، مع إغفال أو تقليل وزن مؤشرات الرفاه وجودة الحياة للمواطنين.
ويشير الخبير في التخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، إلى أن هذا القرار يتقاطع مع قطاعات حيوية مثل التعليم، الصحة، الشغل، والنقل. ومع ذلك، فإن المعالجة المتبناة لهذا القرار تمت بمنطق قطاعي مجزأ، حيث يدافع كل قطاع عن منطقه الخاص دون الأخذ بعين الاعتبار الأثر المجتمعي المركب. وهذا يؤدي إلى تبعات سلبية متعددة:
- التعليم: يتأثر بإيقاع بيولوجي مضطرب لدى التلاميذ والطلاب، مما يؤثر على تركيزهم وأدائهم الدراسي.
- الصحة: يعاني المواطنون من إجهاد مزمن واضطرابات في النوم والتغذية، مما ينعكس سلباً على صحتهم العامة.
- الشغل: رغم التسويق للقرار كتحسين للإنتاجية، فإن الإجهاد العام قد يؤثر على فعالية الأفراد على المدى الطويل.
- النقل: يُدار كمعطى تقني، دون الأخذ في الاعتبار تداعيات التوقيت على سلامة الركاب والسائقين، خاصة في أوقات الذروة الصباحية المبكرة أو المسائية المتأخرة.
إن غياب مؤشر مركب يقيس الأثر المجتمعي الكلي لهذا التغيير الزمني يجعل الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والتكلفة الاجتماعية أمراً صعباً وملحاً في نفس الوقت.
تأثير الساعة الإضافية على المجتمع المغربي: دعوات للحكامة التشاركية
على الرغم من تكرر نقاش رفض الساعة الإضافية من قبل نسبة مهمة من المواطنين المغاربة، خاصة مع حلول شهر رمضان وعودة التوقيت إلى توقيت غرينيتش، أو إعادة اعتمادها بعد انتهائه، لم يتم اتخاذ أي قرار رسمي حكومي لمراجعة هذا التوقيت تفاعلاً مع هذا الرفض الشعبي. هذا التجاهل يسائل حرص مدبري الشأن العام على حق المواطن في حياة جيدة.
ويؤكد محمد النشناش، الرئيس الأسبق للمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، أن العديد من الدول، خاصة في أوروبا، تلجأ إلى تغيير التوقيت المعتمد مع حلول الشتاء أو الصيف، ولكن هذا التغيير يتم على مدار أشهر، لأن جسم الإنسان يتطلب وقتاً كافياً للتكيف مع التوقيت الجديد من ناحية التغذية والنوم. في المقابل، يلاحظ في المغرب الرجوع إلى توقيت غرينيتش خلال شهر رمضان فقط، وهو ما يصفه النشناش بـالارتجال الذي يسبب أضراراً صحية عديدة للمواطنين، مؤكداً أن مضار الساعة الإضافية تفوق منافعها التي تستفيد منها فئات محدودة فقط.
تدعو هذه الأصوات إلى ضرورة إدماج آراء وتقييمات المواطنين بخصوص الساعة الإضافية في قرارات مدبري الشأن العمومي، لا سيما وأنها تمس جوهر صحة المواطن ورفاهه. فالقرار السليم لا يجب أن يُتخذ بمعزل عن المستفيدين والمتأثرين به، بل يجب أن يكون نتاج حوار عمومي واستشارة معمقة.
نحو حلول مستدامة: إعادة هندسة القرار وقياس الرفاه الاجتماعي
في ظل هذا الجدل المتواصل، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن في التراجع المطلق عن قرار الساعة الإضافية أو الإصرار عليه، بل في إعادة تصميم القرار بشكل أكثر شمولية واستدامة. يقترح أمين سامي تجريب القرار مرحلياً، مع قياس أثره بمؤشرات موضوعية للرفاه الاجتماعي، وإدماج آليات تشاورية حقيقية تعيد هندسة الساعة بشكل نسقي. هذا النهج يضمن تحقيق الالتقائية والنجاعة في مختلف القطاعات، مع الأخذ بعين الاعتبار العنصر البشري كأولوية.
إن تحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والتكلفة الاجتماعية يتطلب رؤية متكاملة، لا تقتصر على الأرقام الاقتصادية وحدها، بل تمتد لتشمل جودة الحياة اليومية للمواطن المغربي. هذا هو جوهر الحكامة الرشيدة التي تسعى إلى تحقيق التنمية الشاملة. لمزيد من التحليلات المعمقة حول القضايا المجتمعية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
في الختام، يظل تأثير الساعة الإضافية على المجتمع المغربي قضية معقدة تتطلب مقاربة شاملة تستمع إلى صوت المواطن، وتأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد الصحية والاجتماعية والاقتصادية. إن بناء مجتمع مزدهر يتطلب قرارات مستنيرة تركز على الإنسان كغاية وهدف، لا مجرد رقم في معادلة اقتصادية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك