مع حلول شهر رمضان من كل عام، يتجدد النقاش العام حول جودة المحتوى التلفزيوني الترفيهي، خاصة الأعمال الدرامية والكوميدية التي تُعرض على القنوات الوطنية. هذا الجدل المتصاعد، بحسب لطيفة أخرباش، رئيسة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا)، ليس مجرد رد فعل سلبي، بل هو مؤشر إيجابي على تطور الوعي النقدي لبرامج رمضان التلفزيونية لدى شرائح واسعة من الجمهور المغربي. وتعتبر أخرباش أن الجودة لا يمكن فرضها بنصوص قانونية، بل هي نتاج منظومة إعلامية وثقافية متكاملة تتطلب بناءً وتطويراً مستمراً.
انتقادات رمضان: مؤشر ديمقراطي وانعكاس لوعي متنامي
تشير رئيسة الهاكا إلى أن تزايد شكاوى الجمهور وانتقاداته تجاه البرامج التلفزيونية، لا سيما الأعمال الدرامية خلال شهر رمضان، أمر طبيعي لعدة اعتبارات. أولاً، طبيعة وكثافة العرض التلفزيوني المصمم خصيصاً لهذا الشهر الفضيل. ثانياً، ارتفاع نسب المشاهدة وعادات الاستهلاك الإعلامي خلال رمضان، خاصة في أوقات الذروة. هذه الانتقادات، بدلاً من أن تُعتبر سلبية، تُعد بمثابة مؤشر ديمقراطي قوي. إنها تعكس مدى تمسك المجتمع بحقه في إعلام جيد، وتختبر درجة امتلاك الجمهور لثقافة مساءلة وسائل الإعلام، وتظهر حجم تطلعات المشاهد المغربي الذي لم يعد مجرد مستهلك سلبي، بل أصبح فاعلاً ونشطاً بفضل الاستخدام المتزايد للإنترنت والمنصات الرقمية العالمية التي توفر بدائل لا متناهية بجودة عالمية.
حرية الإبداع: خط أحمر ومسؤولية متوازنة
في معرض حديثها عن جدوى حماية الهاكا لحرية الإبداع في مواجهة الانتقادات، أكدت أخرباش أن مبدأ حرية الإبداع ليس مبرراً للتملص من المسؤولية، بل هو خط أحمر ديمقراطي. فحرية الإبداع، شأنها شأن الحرية التحريرية، تقع في صلب حرية الاتصال السمعي البصري. وأوضحت أن الهيئة لا يمكنها التدخل لتقرير مدى رصانة عمل كوميدي، أو الحاجة إلى سيناريو أفضل، أو تقييم موهبة مخرج أو ممثل. مثل هذا التدخل يُعتبر انزلاقاً خطيراً قد يؤدي إلى تقنين الجودة الفنية وتوحيد الاختيارات الإبداعية، وربما يتطور إلى تقنين الآراء والأفكار. إن الهاكا ليست جهاز رقابة على الإبداع ولا منتجاً تنفيذياً، بل هي ضامن للتوازن الدقيق بين الحرية والمسؤولية.
معالجة الانتقادات المهنية وقوانين البث
تطرقت أخرباش إلى مزاعم استهداف مهن معينة عبر المسلسلات، موضحة أن التمثيل النقدي لمهنة ما في عمل درامي سمعي بصري لا يُشكل قذفاً بالمعنى القانوني، ولا يقصد الإساءة، بل يرتبط بحق صاحب العمل التخييلي في معالجة الواقع. كما أن المطالبة بتوظيف الأعمال الدرامية لشخصيات ونماذج تجسد حصراً الاستقامة والنزاهة يعتبر مساساً بحرية الإبداع، وتجاهلاً لدور الإعلام، خصوصاً العمومي، في ممارسة النقد الاجتماعي ومعالجة بعض السلوكيات والظواهر المستهجنة. وتذكر رئيسة الهاكا بأن المشرّع يضمن للإذاعات والقنوات التلفزية العمومية والخاصة بث برامجها بكل حرية، لكنها تظل خاضعة لمبادئ قانونية ثابتة ذات صلة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مثل:
- عدم المس بالكرامة الإنسانية.
- احترام مبدأ قرينة البراءة.
- عدم التحريض على العنصرية أو الكراهية أو العنف.
- عدم التمييز ضد المرأة أو الحط من كرامتها.
مهمة الهاكا تبدأ عندما يُسجل الإخلال بهذه الحقوق، حيث تتدخل لإعمال القانون من خلال اتخاذ قرارات زجرية.
النهوض بالجودة: رهانات السيادة الثقافية والتنمية الإعلامية
ترى رئيسة الهيئة أن جودة العرض السمعي البصري الوطني ليست قضية مقتصرة على مؤسسة واحدة، بل هي قضية تحيل على رهانات السيادة الثقافية والتماسك الوطني. لذلك، تتطلب سياسة عمومية عرضانية لتطوير الصناعات الثقافية والإعلامية. ويمكن استثمار عدة روافع للنهوض بالجودة، منها:
- تعزيز الحكامة التحريرية للقنوات العمومية عبر تقوية دور الوسيط، ولجان القراءة، ولجان الأخلاقيات، ولجان انتقاء مشاريع البرامج.
- رصد تمويل مستدام يتيح توفير إمكانات كافية للإنتاج الوطني.
- الاستثمار في التكوين وتقوية القدرات في مختلف التخصصات الإعلامية والرقمية والفنية.
- عدم إغفال مسؤولية القنوات العمومية في إرساء بارومترات نوعية والقيام بدراسات دورية لقياس رضا الجمهور.
- العمل على الرفع من الدراية الإعلامية والحس النقدي للمواطن في مجال الاستهلاك المستنير للصورة والكلمة.
إن تطور الوعي النقدي لبرامج رمضان التلفزيونية يمثل فرصة ذهبية لإعادة تقييم شامل لمسار الإنتاج الإعلامي الوطني، ويحث جميع الفاعلين على العمل يداً بيد لتقديم محتوى يرقى إلى تطلعات الجمهور ويعزز الهوية الثقافية للمغرب. للتعمق في التحليلات الإعلامية والمجتمعية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك