شهدت مدينة الدار البيضاء في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في سلوكيات سكانها خلال شهر رمضان، حيث بدأت الفضاءات الخضراء المحلية داخل الأحياء تحل تدريجياً مكان الكورنيش التقليدي كوجهة مفضلة للاستجمام والنشاط الرياضي. يأتي هذا التحول نتيجة لظهور وتأهيل عدد من المساحات الخضراء التي أقيمت على مواقع كانت مهملة سابقاً، مما وفر متنفساً يومياً قريباً للمواطنين.
برزت هذه الظاهرة في عدة أحياء من العاصمة الاقتصادية، حيث تم تحويل مواقع كانت تستخدم كمطارح عشوائية للنفايات إلى فضاءات بيئية مجهزة. ويعد مشروع “الهضبة الخضراء” في حي سيدي مومن أحد النماذج البارزة لهذا التغيير، إذ تحول من مكان لتراكم المخلفات إلى مساحة خضراء مغطاة بالعشب ومحاطة بأنواع مختلفة من النباتات.
يؤكد محمد، وهو من سكان الحي، أن هذا الفضاء أصبح ملاذاً يومياً له خلال الشهر الفضيل، بعد أن كان يتجنب المرور بجواره في الماضي. ويشير إلى أن المساحة توفر له لحظات من الهدوء تساعد على استعادة التوازن النفسي والروحي، معتبراً أن جمال الطبيعة واتساعها يعززان الشعور بالسكينة خلال فترات الصيام.
يقع الفضاء على ارتفاع يقارب خمسة عشر متراً، مما يوفر إطلالة بانورامية على أحياء مجاورة مثل البركة والتشارك، كما يمكن رؤية زرقة البحر في الأفق البعيد. وتقول فاطمة، ربة بيت من المنطقة، إن قرب هذا الفضاء من المنازل يشكل “رفاهية حقيقية” للساكنة، حيث أصبح مكاناً للقاء الجارات وقضاء وقت في المشي وتبادل الأحاديث.
وتضيف أن الأطفال يستفيدون بشكل كبير من المساحة خلال رمضان، خاصة مع تقليص ساعات الدراسة، حيث يتوجهون للعب في أجواء آمنة بعيداً عن الشاشات الإلكترونية. وتذكر أن مثل هذه الخرجات كانت في السابق محدودة، إذ تطلب الأمر التنقل إلى حدائق وسط المدينة، وهو ما لم يكن متاحاً دائماً بسبب ضيق الوقت أو تكاليف التنقل.
تمتد “الهضبة الخضراء” على مساحة تقارب 12 هكتاراً، وتضم مناطق مخصصة للألعاب والترفيه، وفضاءات للراحة، وملاعب لكرة السلة والكرة الحديدية، بالإضافة إلى مساحات مخصصة للأطفال وتمارين اللياقة البدنية.
في الجهة الغربية من المدينة، يشهد منتزه “الولفة” إقبالاً مماثلاً منذ إعادة تأهيله. ويؤكد بلال، العامل في مجال الافتحاص وتدقيق الحسابات، أن زيارة الموقع تكتسي أهمية خاصة خلال رمضان، حيث “تعيد إليه الحيوية والنشاط رغم الصيام”. ويشير إلى أنه كان ينتظر سابقاً انتهاء ساعات العمل للقيام بجولة على الكورنيش، لكنه الآن يستفيد من هذا الفضاء القريب الذي يمنحه طاقة إضافية.
تزور زينب، وهي شابة عشرينية، الفضاءات الرياضية في الحديقة التي تمتد على عشرة هكتارات من المساحات الخضراء. وتقول إن ممارسة الرياضة أثناء الصيام صعبة، لكن قرب هذا الفضاء يشجعها على الاستمرار في نشاطها الرياضي. تضم الحديقة ممرات للمشي، وحدائق، وفضاءات للأطفال، وأخرى مخصصة للتنوع البيولوجي.
تشكل هذه المبادرات، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، جزءاً من تحول أوسع في المدينة، حيث تتيح للسكان الاستمتاع بالطبيعة والأجواء الممتعة على مدار السنة دون الحاجة للتنقل لمسافات طويلة.
من المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة افتتاح المزيد من المشاريع المماثلة في أحياء مختلفة من المدينة، ضمن استراتيجية بلدية تهدف إلى زيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وتحسين جودة الحياة الحضرية. كما تدرس الجهات المعنية آليات لتوسيع نطاق هذه المشاريع وضمان صيانتها المستدامة، استجابة للإقبال المتزايد من قبل السكان.
التعليقات (0)
اترك تعليقك