تشهد الدوائر الانتخابية في جهة طنجة، التي توصف تقليدياً بـ”الدوائر الحارقة”، حركة مكثفة من قبل القيادات الحزبية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر المقبل. وتأتي هذه التحركات في سياق يتسم بالترقب والغموض بسبب بعض الإكراهات القانونية والقضائية التي تواجه عدداً من المرشحين المحتملين.
شهدت جهة طنجة تطوان الحسيمة مؤخراً زيارة قيادتين حزبيتين بارزتين. فقد قام رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، بزيارة إلى مدينة وزان، بينما قام الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، بزيارة إلى طنجة. وهدفت الزيارتان إلى وضع النقاط على الحروف في الدوائر الانتخابية بالجهة استعداداً للاستحقاق المقبل.
يرى الأكاديمي محمد يحيا أن المستجدات المرتبطة بالقانون التنظيمي لمجلس النواب وضعت الأحزاب السياسية في جهة الشمال أمام معادلة معقدة. وأوضح في تصريح له أن الأحزاب تجد نفسها بين خيارين: الحفاظ على مرشحين تقليديين يمتلكون قواعد انتخابية واسعة، أو الالتزام الصارم بشروط الترشح التي قد تؤدي إلى إقصاء بعضهم بسبب أحكام قضائية أو متابعات لم يُحسم فيها بعد.
وأضاف يحيا أن المعطيات الحالية تشير إلى أن عدداً من الأحزاب لم تحسم بعد موقفها النهائي من ترشيح بعض البرلمانيين الحاليين، مفضلة التريث إلى حين اتضاح مآل الملفات المعروضة أمام القضاء. وأكد أن هذا الوضع يضع مختلف الأحزاب في مدن الشمال، مثل طنجة والعرائش والحسيمة، في موقف حرج، نظراً لتأثير هذه القضايا المباشر على الخريطة الانتخابية.
كما سجل الأكاديمي أن هذا السياق يثير لدى الأحزاب السياسية المتنافسة مخاوف من سيناريوهات محتملة، من بينها اللجوء إلى انتخابات جزئية في حال فقدان بعض الفائزين أهليتهم الانتخابية لاحقاً. ولفت إلى أن الدينامية التي تعرفها الساحة السياسية بالشمال تعكس حجم الصراع الانتخابي المرتقب في ظل تحديات مركبة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية والتنظيمية.
من جهته، أشار المحلل السياسي إدريس قسيم إلى أن مدن الشمال شكلت تاريخياً مجالاً مفتوحاً للتنافس والصراع الانتخابي بين مختلف الفاعلين السياسيين. وأرجع ذلك لعدة اعتبارات، في مقدمتها الجاذبية الاقتصادية للمنطقة، والتطور الذي شهدته، إلى جانب رمزيتها التاريخية والسياسية في الوعي الجماعي والحسابات الانتخابية للأحزاب.
وأفاد قسيم بأن التنافس لا يقتصر على حزب بعينه، بل يشمل مختلف الأحزاب الكبرى، ومن بينها الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار. وعلل ذلك بالبنية الديموغرافية القوية التي تميز مدن الشمال، ما يجعلها خزاناً انتخابياً حاسماً في رسم موازين القوى السياسية.
وفي قراءته للسياق السياسي الراهن، أشار المحلل إلى أن التحولات التي شهدتها الساحة السياسية مؤخراً، خاصة المرتبطة بقيادة حزب التجمع الوطني للأحرار، فتحت المجال أمام حزب الاستقلال لاعتبار المرحلة فرصة لتعزيز موقعه الانتخابي. وزاد موضحاً أن هذا الأمر بدا جلياً في سعي “الميزان” إلى توسيع قاعدته الانتخابية وكسب دوائر جديدة، إلى جانب الحفاظ على معاقله التقليدية.
كما أكد قسيم أن حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي راكم خلال السنوات الأخيرة حضوراً انتخابياً مهماً في الشمال، يجد نفسه اليوم أمام تحدي الحفاظ على هذا الزخم وضمان استمرارية هذا التراكم، رغم التحولات السياسية التي قد تؤثر على رصيده الانتخابي.
وشدد المحلل السياسي على أن التنافس بين هذه الأحزاب تحكمه اعتبارات داخلية، تتعلق بإعادة ترتيب البيت الحزبي، وإدارة التحالفات، فضلاً عن تحديد خريطة النفوذ الانتخابي، سواء من خلال الحفاظ على الدوائر التقليدية أو السعي إلى اختراق دوائر جديدة.
يُتوقع أن تشهد الأسابيع القليلة المقبلة حسم الأحزاب لمواقفها النهائية فيما يخص ترشيحاتها، مع استمرار مراقبة تطورات الملفات القضائية ذات الصلة. كما ستركز الاستعدادات على رسم الاستراتيجيات الانتخابية النهائية في دوائر الجهة التي تُعد محكاً حقيقياً لشعبية القوى السياسية وقدرتها على التجديد.
التعليقات (0)
اترك تعليقك