يواجه مسار إعداد ملتمس تشريعي يهدف إلى إقرار قانون إطار خاص بالمناطق الجبلية في المغرب حالة من التعثر، بعد توقف جمع التوقيعات الداعمة له عند حدود 12 ألف توقيع، وذلك في وقت يقترب فيه انتهاء الولاية التشريعية الحالية. وأعلن الائتلاف المدني من أجل الجبل، الجهة الدافعة للملتمس، عن تعليق عملية الجمع مؤقتاً لإعادة تقييم آليات العمل، بينما يغيب التفاعل الحكومي الملموس مع المبادرة.
ويسعى هذا الملتمس، الذي أُطلق قبل نحو ثلاث سنوات، إلى حث البرلمان المغربي على إصدار تشريع خاص يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية للمناطق الجبلية عند وضع البرامج التنموية والسياسات العمومية. ويتطلب القانون إرفاق الملتمس بـ 20 ألف توقيع على الأقل من المواطنين المسجلين في اللوائح الانتخابية قبل تقديمه رسمياً إلى رئيس مجلس النواب.
وأوضح محمد الديش، المنسق الوطني للائتلاف المدني من أجل الجبل، أن عملية جمع التواقيع تمت عبر قناتين؛ ورقية وإلكترونية، مع تركيز الجهد الأكبر على النسخة الورقية التي تم من خلالها جمع حوالي 12 ألف توقيع. وأشار الديش إلى أن هذا العدد يعكس اقتناعاً حقيقياً بجدوى المبادرة وفلسفتها من قبل المواطنين.
وبعد بلوغ هذا الرقم، قرر الائتلاف التوقف مؤقتاً عن جمع التواقيع بهدف مراجعة طريقة الاشتغال، خاصة بعد ظهور بعض النواقص الشكلية، مثل عدم استيفاء بعض الموقعين للشروط القانونية المطلوبة كالتسجيل في اللوائح الانتخابية. وتحولت الخطة من العمل ضمن أفق زمني محدد إلى التعامل مع الملف كورش مفتوح.
وأكد الديش أن الائتلاف سيستأنف العمل على جمع التواقيع قبل الانتخابات التشريعية القادمة، استعداداً للولاية التشريعية المقبلة. وبيّن أن عامل الزمن لم يعد مساعداً لإكمال العدد المطلوب قبل نهاية الولاية الحالية، مما يجعل تحقيق الهدف أكثر واقعية خلال الدورة البرلمانية التالية.
وسيعمل الائتلاف، وفقاً لتصريحات منسقه، على تحريك الملف مجدداً قبيل الانتخابات، بهدف جس نبض الأحزاب السياسية وإدراج مطالب المناطق الجبلية ضمن برامجها الانتخابية. ويعتبر هذا التوقيت استراتيجياً للضغط على القوى السياسية لتبني القضية.
وعزا الديش جزءاً من تعثر المبادرة إلى غياب التفاعل الإيجابي من قبل الحكومة مع المقترح. ولاحظ أن الحكومة، خلال السنوات الأربع الماضية، ركزت في عملها على ما هو استراتيجي عام، من دون أن تستحضر بشكل كاف خصوصيات العالم الجبلي المغربي عند صياغة مشاريع القوانين والبرامج.
وذكر أن فكرة إحداث إطار قانوني للمناطق الجبلية ليست جديدة، فقد تقدم نواب من المعارضة سابقاً بمقترحات قوانين في هذا الشأن، لكنها لم تحظ بالتفاعل والمناقشة المنتظرة داخل أروقة البرلمان.
ويركز الائتلاف حالياً على تجديد آليات اشتغاله لضمان استمرارية الحملة الداعمة لسياسات عمومية تنموية واقتصادية شاملة تنصف المناطق الجبلية الهشة. وكان الائتلاف قد راهن في البداية على تحويل عملية جمع التوقيعات إلى مناسبة لتعزيز الوعي لدى سكان هذه المناطق بحقوقهم وبأهمية التشريع الخاص.
وأشار الديش إلى أن أي جهد تشريعي يفتقر إلى الدعم الحكومي يبقى حبيس الأدراج والرفوف، على عكس مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة والتي تمرر عادة بسرعة داخل البرلمان بفضل الأغلبية التي تحظى بها. ويرى أن الولاية الحكومية المقبلة قد تشكل فرصة لتكثيف الضغط على المؤسسة التنفيذية، عبر كتلتها البرلمانية، لإخراج إطار قانوني عادل للمجال الجبلي.
ويقترح الملتمس التشريعي، المستند إلى مضمون الفصل 14 من الدستور المغربي، اعتبار كل منطقة يتجاوز ارتفاعها 800 متر عن سطح البحر منطقة جبلية. وينطبق هذا الوصف أيضاً على كل جماعة ترابية تتجاوز المساحة الجبلية فيها 50 في المائة من مساحتها الإجمالية. ومن المقرر أن ينسحب هذا التحديد على التقسيم الترابي للمملكة على مستوى الجماعات المحلية والأقاليم والجهات.
ويشترط الملتمس تأهيل المناطق الجبلية بمركبات وبنيات لوجستية متطورة، وأسواق جملة متخصصة، إلى جانب محطات للتصدير والتجفيف ومناطق للشحن. ويهدف ذلك إلى تطوير الأنشطة الاقتصادية والتجارية والفلاحية ذات الخصوصيات الجبلية، مع توفير تحفيزات إدارية وجبائية خاصة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني والاقتصاد الأخضر في هذه المناطق.
ومن المتوقع أن يعيد الائتلاف المدني من أجل الجبل إطلاق حملة جمع التوقيعات المكثفة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، في محاولة للضغط على الأحزاب السياسية لتبني قضية القانون الإطار في برامجها. كما سيواصل الترافع لدى المؤسسات الحكومية والبرلمانية لإدراج الموضوع ضمن أولويات العمل خلال الولاية المقبلة، سعياً لتحقيق اعتراف قانوني بخصوصية المناطق الجبلية وضمان تنميتها المستدامة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك