عاجل

الجامع الكبير في تطوان.. معلمة تاريخية تواصل أدوارها الدينية والعلمية

الجامع الكبير في تطوان.. معلمة تاريخية تواصل أدوارها الدينية والعلمية

يؤدي الجامع الكبير في المدينة العتيقة لتطوان أدواره الدينية والعلمية والتربوية بشكل متواصل، حيث يعد أحد أقدم وأهم المساجد في المدينة. تأسس المسجد المعروف أيضا باسم “المسجد الأعظم” سنة 1808 ميلادية بأمر من السلطان العلوي المولى سليمان، وفق ما أكده مصدر ديني محلي.

وبني المسجد على أنقاض مسجد قديم كان قائما في حومة “البلد” بقلب المدينة العتيقة. وبعد اكتمال بنائه، أوفد السلطان سليمان العالم الشيخ محمد الحراق، المتخرج من جامع القرويين بفاس والمتوفى سنة 1261 هجرية، ليتولى نشر العلوم الشرعية منه، حيث أدخل درس التفسير إلى تطوان لأول مرة.

وأوضح المصدر الديني ذاته أن المسجد احتضن على مر تاريخه دروس كراسي علمية أطرها كبار العلماء والفقهاء والمحدثين في المدينة. ومن بين الأسماء التي مرت من هذه المعلمة نجل الفقيه العلامة اللبادي، والفقيه الموسوعي المرابط الترغي، والفقيه الخطيب إسماعيل الخطيب.

ولا يزال الجامع الكبير يلعب دورا تربويا وعلميا بارزا حتى اليوم. حيث يشرف على إدارة شؤونه الدينية والعلمية رئيس المجلس العلمي المحلي بتطوان، الذي يتولى أيضا خطبة الجمعة. ويشرف المجلس على سلسلة من الدروس الوعظية والكراسي العلمية التي تجذب طلبة العلم من داخل المدينة وخارجها.

ويحتضن المسجد تحت أقواسه الخمسة حلقات لتحفيظ القرآن الكريم تستقبل الصغار والكبار. كما تتواصل ضمن مرافقه برامج محو الأمية والتأطير الديني للنساء في المصلى المخصص لهن.

وشهد الجامع الكبير عدة عمليات ترميم وتوسعة عبر تاريخه. فبعد تخريبه خلال الاحتلال الإسباني الأول للمدينة بين 1859 و1862 ميلادية، أمر السلطان محمد بن عبد الرحمان بترميمه سنة 1863 ميلادية. وفي عهد الاستعمار الإسباني سنة 1940 ميلادية، جرى إصلاح صحنه وإضافة مكان للوضوء.

كما خضع المسجد لترميم كبير بين عامي 2011 و2014، بلغت كلفته 12 مليون درهم، وشمل السقوف والجدران والمرافق المختلفة. وهدفت هذه العمليات إلى ضمان استمرار أداء الجامع لوظائفه، ورفع طاقته الاستيعابية، مع الحفاظ على هويته المعمارية التي تجمع بين البساطة الأندلسية والزخرفة المغربية.

وحسب شهادات شفاهية، فإن التحول الأكبر في تاريخ المسجد جاء بأمر السلطان المولى سليمان سنة 1808 ميلادية، حيث تمت توسعته بعد هدم مدرسة “الروشة” وبيوت يهودية نقل أصحابها لملاح جديد. فأصبح بعدها أكبر مساجد المدينة العتيقة، واتخذ طابع القرن التاسع عشر الميلادي في معماره وصومعته البارزة.

تاريخيا، لم يقتصر دور الجامع الكبير على الصلاة؛ بل تحول خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين إلى مركز علمي بارز وصفه المؤرخون بـ”كلية تطوان”. كما احتوى على مكتبة زاخرة بالمخطوطات المحبسة، وكان منبره مركزا للتأطير السياسي والوطني خلال فترات الاستعمار.

ويستعد القائمون على الشأن الديني بالمدينة لمواصلة تطوير البرامج العلمية والدروس الوعظية بالجامع الكبير، بهدف تعزيز دوره كمركز روحي وعلمي. ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة استمرار عقد حلقات العلم وتحفيظ القرآن، واستقطاب مزيد من طلبة العلم، ضمن مسعى للحفاظ على الإرث العلمي والديني الذي يمثله هذا الصرح التاريخي.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.