مع بداية فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة في أقاليم جهة درعة تافيلالت، أصدرت جماعات ترابية وسلطات محلية قرارات استباقية تقضي بمنع المواطنين من السباحة في الأودية والضايات والسدود. وتهدف هذه التدابير الاحترازية إلى حماية الأرواح والحد من حوادث الغرق التي تتكرر موسميا بالتزامن مع زيادة الطلب على الترفيه المائي.
ويُفيد قرار المنع بأنه يسعى لتحقيق التوازن بين حق المواطن في الترفيه وصون سلامته، إلا أنه أثار تساؤلات واسعة في أقاليم الجهة حول مدى توفر بدائل ترفيهية، خصوصا في المناطق القروية والجبلية التي تعاني من غياب شبه كامل أو نقص حاد في المسابح العمومية.
وفي هذا السياق، أوضح مصدر مسؤول بولاية جهة درعة تافيلالت، فضل عدم ذكر اسمه، أن “قرار المنع ليس هدفه التضييق على المواطن، بل حمايته من الغرق”، مشيرا إلى أن “السنوات الماضية سجلت حالات غرق مأساوية في أودية وادي درعة وتودغى وزيز، أغلبها في صفوف أطفال وشباب لا يجيدون السباحة”. وأضاف المصدر ذاته أن السدود والأودية ليست مهيأة للسباحة، بسبب وجود تيارات قوية وحفر عميقة غير مرئية.
وأكد أن السلطات، بالتنسيق مع الجماعات الترابية وشركاء آخرين، قامت بتعليق لافتات المنع وتنظيم دوريات للمراقبة، إلى جانب حملات تحسيسية في المؤسسات التعليمية والأسواق الأسبوعية. وذكر أن وزارة الداخلية تراهن على الوعي أولا، لكن عندما يتعلق الأمر بالأرواح فإن الوقاية تسبق أي اعتبار آخر، مفيدا بأن “تفعيل القرار يتم عبر مقاربة تربوية وتحسيسية قبل اللجوء إلى الزجر، لأن الهدف ليس تحرير المخالفات بل إنقاذ الأرواح”.
وأردف المتحدث أن لجان اليقظة المحلية تنسق مع الأمن الوطني والوقاية المدنية والدرك الملكي لرصد النقط السوداء، وتعبئة جمعيات المجتمع المدني للقيام بحملات ميدانية داخل الأحياء والدواوير، مشيرا إلى أن “الرهان الحقيقي هو أن تتحول ثقافة الوقاية إلى سلوك يومي، خصوصا لدى فئة الأطفال والشباب الذين يشكلون أغلب ضحايا حوادث الغرق المسجلة سنويا”.
ويرى عدد من المواطنين أن القرار رغم وجاهته الصحية يغفل واقعا معيشيا صعبا. وبهذا الخصوص، قال الحسن أعفير، أب لثلاثة أطفال من بومالن دادس في إقليم تنغير، إن “الحرارة تصل 45 درجة، والأطفال لا يجدون المسابح الكافية للترفيه”، مضيفا أن الأودية كانت المتنفس الوحيد المجاني لأبناء الفقراء رغم خطورتها. بدورها، قالت فاطمة أيت سليمان، طالبة جامعية من جماعة تينزولين في إقليم زاكورة: “نحترم قرارات السلطات ونخاف على أرواح إخواننا”، مضيفة أن “الشباب يحتاج بديلا، لا توجد متنزهات مائية ولا نواد صيفية ولا فضاءات ترفيهية عمومية، عكس المدن الكبرى حيث توجد خيارات، هنا لا شيء”.
من جهته، صب إبراهيم كرفالي، فاعل جمعوي من إقليم الرشيدية، جام غضبه على الجماعات الترابية والحكومة، معتبرا أن مبرر “الإمكانيات المحدودة” صار أسطوانة مشروخة. وقال إن جهة درعة تافيلالت بأقاليمها الخمسة هي الأفقر وطنيا، ولم تستفد من أي مشروع تنموي أو اجتماعي أو اقتصادي كبير يوازي حجم المعاناة. وأضاف كرفالي أنه “لا مناطق صناعية، لا استثمارات سياحية حقيقية، لا مسابح عمومية، لا متنفسات”، مشيرا إلى أن “المواطن هنا يموت حرا في الصيف وغرقا”.
ولا يقتصر الإشكال على البنية التحتية، بل يمتد إلى الجانب الثقافي والسلوكي. عبد الرحيم عيسنو، فاعل جمعوي بمدينة ورزازات، قال في هذا الإطار إن “جزءا من حوادث الغرق يقع بسبب التهور وغياب ثقافة احترام علامات المنع”، مضيفا أن كثيرا من الشباب يعتبرون السباحة في الوادي تحديا، ولذلك يشتغل الفاعلون الجمعويون على التحسيس داخل الأحياء ويقترحون على الأسر بدائل مثل الرحلات الجبلية المنظمة.
وطالب عدد من الفاعلين الجمعويين في جهة درعة تافيلالت والي الجهة وعمال أقاليم ميدلت والرشيدية وتنغير وورزازات وزاكورة ببرمجة مشاريع القرب ذات الطابع الترفيهي ضمن مخططات عمل الجماعات، باعتبارها مدخلا أساسيا لتوفير بدائل آمنة للمواطنين خلال فصل الصيف.
من جانبه، يرى جمال أويحيى، باحث في علم الاجتماع، أن المقاربة يجب أن تكون شمولية ولا تكتفي بالمنع والتحسيس فقط، بل تتطلب تعبئة حقيقية لموارد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وبرامج حكومية أخرى موجهة للعالم القروي والمناطق الداخلية. وشدد أويحيى على ضرورة دعم مشاريع مهيكلة كالمسابح الجماعية والمراكز السوسيو ثقافية والفضاءات الخضراء، لأن الاستثمار في الترفيه هو استثمار مباشر في حماية الأرواح وصون كرامة المواطن. وقال إنه لا يمكن فصل قرار المنع عن السياسة العمومية للترفيه، مشيرا إلى أن المناطق الداخلية تعاني خصاصا بنيويا، وأن الاستثمار في المسابح والحدائق والمراكز الثقافية هو استثمار في الأمن الاجتماعي.
بين هاجس حماية الأرواح ومطلب الحق في الترفيه، يبقى سكان درعة تافيلالت ينتظرون صيفا آمنا، وذلك في وقت يعتبر فيه قرار منع السباحة في الأودية والسدود إجراء وقتيا ضروريا، لكنه يظل غير كاف ما لم تواكبه رؤية تنموية توفر البديل وتحول الصيف من موسم للخوف من الغرق إلى موسم للفرح والحياة، بحسب إفادة أويحيى.
وتأتي هذه القرارات الاحترازية بعد تسجيل أقاليم جهة درعة تافيلالت لحوادث غرق متكررة في السنوات الماضية، ومن المتوقع أن تواصل السلطات حملاتها التحسيسية والمراقبة الميدانية، إلى جانب دعوات متزايدة من المجتمع المدني لتسريع إنجاز مشاريع ترفيهية مهيكلة ضمن مخططات التنمية المحلية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك