أحداث سبتة الأخيرة والهجرة الجماعية: قراءة في الأبعاد الجيوسياسية والموقف المغربي
شهدت مدينة سبتة المحتلة مؤخراً موجة غير مسبوقة من الهجرة الجماعية، مما أثار تساؤلات واسعة حول دوافعها وأبعادها. في هذا السياق، يرى الباحث المتخصص في شؤون الهجرة والتاريخ، عبد الله بوصوف، أن هذه الأحداث ليست مجرد ظاهرة معزولة، بل يجب فهمها في إطار صراع جيوسياسي أوسع. فما هي القراءة التي يقدمها بوصوف؟ وكيف تتفاعل هذه الأحداث مع الموقف المغربي الثابت تجاه سيادته على مدينتيه المحتلتين؟
في تحليل معمق، يشير بوصوف إلى أن إسبانيا تحاول توظيف ملف الهجرة كورقة ضغط على المغرب، خاصة بعد المطالب الإسبانية الأخيرة بإدراج سبتة ومليلية ضمن حدود حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويصف هذه الخطوة بأنها “حرب غير معلنة واعتداء سافر على السيادة المغربية”، مؤكداً أن المغرب لم يستفد من هذه الأحداث التي تزامنت مع احتفالات عيد العرش والخطاب الملكي الذي ركز على المنجزات والمرحلة المقبلة. وقد ألحق هذا الاهتمام الإعلامي المفرط ضرراً بصورة المغرب على المستوى الدولي.
ويربط بوصوف هذه التصرفات الإسبانية بسلسلة من الإجراءات الاستفزازية، مثل منح الجنسية الإسبانية لبعض الصحراويين، ومطالبة سانشيز بضم المدينتين إلى الناتو. ويفسر هذا التصعيد الإسباني بما وصفه بـ”الخنق الاقتصادي” الذي تعاني منه المدينتان بعد الموقف المغربي الصارم بإنهاء تجارة التهريب المعيشي التي كانت تستنزف الخزينة المغربية. ويضيف أن اليمين الإسباني الحاكم في سبتة يفتقر إلى أي مشروع اقتصادي، لذا يستغل هذه الأحداث للضغط على حكومة مدريد للحصول على تمويلات استثنائية لضمان استمرار المدينة.
وينتقد بوصوف التعامل مع أحداث سبتة وكأنها ظاهرة معزولة تقع لأول مرة، مذكراً بأن جزيرة لامبيدوسا الإيطالية استقبلت في العام الماضي 65 ألف مهاجر غير نظامي رغم أنها ليست متاخمة لأي دولة، كما استقبلت جزر الكناري وحدها 35 ألف مهاجر في سنة 2024. ويؤكد أن سبتة ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي “مدينة الحضارة والتاريخ” التي تسكن قلوب جميع المغاربة، مشيراً إلى إسهاماتها الكبرى في التاريخ الإنساني والإسلامي، حيث أنجبت الشريف الإدريسي الذي رسم أول خريطة في العالم، والقاضي عياض، وأبا العباس السبتي. كما يبرز دور المدينة في المقاومة الثقافية، حيث كان حاكمها أبو العباس العزفي أول من أقر الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف في المغرب، كخطوة استراتيجية لمواجهة الغزو الثقافي الإيبيري وتأثير احتفالات النصارى بأعياد الميلاد آنذاك. ولم يغفل التذكير بأن سبتة كانت تضم أكثر من 46 مكتبة، وكانت المنطلق التاريخي للجيوش الإسلامية نحو الأندلس بمساعدة يوليان الغماري.
وفي حديثه عن السيادة، يشدد بوصوف على أن المغرب لم يفرط يوماً في سبتة طيلة خمسة قرون من الاحتلال البرتغالي ثم الإسباني. ويسوق أمثلة تاريخية قوية تعكس ثوابت الدبلوماسية المغربية، أبرزها رفض السلطان المولى سليمان عرضاً من نابليون بونابرت لاسترجاع سبتة مقابل إمداده بالمؤونة، حيث رد السلطان بأن المغرب هو من سيسترد مدينته ولا يريدها “صدقة من أحد”. كما رفض المغرب عرضاً أمريكياً للانضمام إلى حلف ضد الدولة العثمانية مقابل استعادة سبتة ومليلية.
ولم يفت الباحث تسليط الضوء على الواقع المرير الذي تعيشه الساكنة المغربية المسلمة المقيمة بمدينة سبتة، مؤكداً أن هذه الفئة تعاني من التهميش الشديد، والبطالة، والهدر المدرسي، والعنصرية، والإسلاموفوبيا. ويستشهد بمسلسل “إل برينسيبي” (حي برينسيبي) الذي عُرض على منصة نتفليكس، وكيف تم تصوير سكان هذا الحي المسلمين ظلماً كـ”مصدر للإرهاب والفوضى والتهديد للمجتمع الإسباني”.
ويختم بوصوف حديثه برسالة أمل وواقعية سياسية، مؤكداً أن المدينة “ستبقى مغربية أحب من أحب وكره من كره، ولا بد من عودتها إلى حضنها”. ويشير إلى أن هذا الاسترجاع سيأخذ الوقت اللازم وسيتم عبر الطرق السلمية والتفاوضية، مبرراً ذلك بأن العالم تغير وأن الحروب الكلاسيكية لم تعد مجدية، مستلهماً القاعدة الذهبية: “ما ضاع حق وراءه مطالب”.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأحداث تأتي في سياق تحولات إقليمية ودولية معقدة، حيث تتصاعد الضغوط على المغرب في ملف الصحراء المغربية، وتتزايد المحاولات لزعزعة استقرار المملكة. غير أن الموقف المغربي يظل ثابتاً في الدفاع عن سيادته ووحدة ترابه، مستنداً إلى تاريخ عريق وحاضر مشرق.
لمزيد من المعلومات حول تاريخ سبتة، يمكنكم الاطلاع على صفحة سبتة على ويكيبيديا.
تابعوا آخر أخبار المغرب والعالم على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك