يشهد المشهد السياسي الفرنسي موجة جديدة من التوتر حول قضية الحجاب، حيث أطلق المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية تحذيرات صريحة من مغبة تحويل النساء المسلمات إلى هدف في المعترك الانتخابي. يأتي هذا في وقت تتزايد فيه الضغوط على خلفية تصريحات لقيادات في حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، مما يضع قضية الحجاب في صدارة النقاش العام قبل أسابيع من الاستحقاقات الرئاسية المرتقبة.
مقترح مثير للجدل: غرامات مالية على النساء المحجبات
كشف جان فيليب تانغي، النائب المقرب من ماريان لوبان، عن نية حزبه فرض غرامات مالية على النساء اللواتي يرتدين الحجاب في الأماكن العامة، وذلك في حال فوز لوبان بالانتخابات الرئاسية المقررة في عام 2027. ويقدم الحزب هذه الخطوة كجزء من أجندته لمكافحة ما يصفه بـ”الأيديولوجية الإسلامية”، لكن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يعتبرها “غير مسؤولة” وتهدف إلى جعل المسلمات كبش فداء.
وأوضح المجلس في بيان رسمي أن ربط ارتداء الحجاب بالتيارات المتطرفة هو خلط خطير، مشيراً إلى أن النساء المحجبات يتعرضن بالفعل للإهانات والتهديدات والترهيب، بل وحتى للاعتداءات الجسدية في بعض الأحيان. وأكد أن هذه التصريحات تغذي مناخاً من العداء وتعمق الانقسامات داخل المجتمع الفرنسي.
الحجاب: تراث ديني عريق أم رمز للتطرف؟
يرفض المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية اختزال الحجاب في كونه مظهراً من مظاهر الأيديولوجيات الراديكالية المعاصرة. ويشير إلى أن ارتداء غطاء الرأس أو الحجاب كان معروفاً منذ قرون في التقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية، حيث يحمل دلالات دينية وأخلاقية عميقة. ويؤكد أن استغلال بعض الجماعات المتطرفة للحجاب لا يغير من طبيعته الدينية شيئاً، وبالتالي لا يمكن تبرير أي محاولة لمنعه في الأماكن العامة.
ويشدد المجلس على أن الجمهورية مطالبة بضمان حقوق النساء المحجبات وغير المحجبات على قدم المساواة، في إطار احترام الحرية الفردية وحرية الضمير. ويستشهد بمواقف تاريخية لشخصيات سياسية مثل أريستيد بريان، الذي حذر خلال النقاشات التي سبقت صدور قانون 1905 المتعلق بفصل الكنائس عن الدولة من أي تشريع قد يجعل الجمهورية تبدو وكأنها تمارس التعصب، مؤكداً أن الهدف الأساسي من القانون كان إرساء “نظام حرية”.
انتقادات أوسع: توظيف الخوف في الحملات الانتخابية
لا يقتصر انتقاد المجلس على قضية الحجاب فحسب، بل يتعداه إلى ما يعتبره توظيفاً للخوف في السباق الانتخابي. ويقول المجلس إن الخطابات التي تقوم على تقسيم المجتمع واستهداف فئة معينة كمشكلة سياسية إنما تصرف الانتباه عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي يعاني منها الفرنسيون، مثل البطالة وغلاء المعيشة وتدهور الخدمات العامة.
كما ينتقد المجلس فكرة استخدام قوات الأمن لمراقبة ملابس النساء في الأماكن العامة، معتبراً أن ذلك إهدار للموارد الأمنية التي ينبغي توجيهها لمكافحة الإرهاب والجريمة وتهريب المخدرات والعنف بمختلف أشكاله، بدلاً من الانشغال بمراقبة الأزياء.
دعوة للحوار والمسؤولية
في ختام بيانه، يدعو المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية القادة السياسيين إلى التحلي بالمسؤولية والحكمة، ويحث المواطنين المتمسكين بقيم الحرية والمساواة والإخاء على المشاركة في النقاش العام لمواجهة خطابات الانقسام. ويؤكد رفضه القاطع لأي حظر عام للحجاب في الأماكن العامة، معتبراً أن مثل هذا الإجراء سيكون مخالفاً للمبادئ الجمهورية، بما فيها حرية الضمير والحريات الفردية والعلمانية. كما يحذر من أن تشريعاً يستهدف فئة معينة من المواطنين قد يفتح الباب أمام التمييز والكراهية والعنف.
ويختتم المجلس بيانه بعبارة قوية: “لا تجعلوا النساء المسلمات هدفاً لكم”، داعياً إلى عدم السماح بتحويل ملايين الفرنسيين إلى رهائن لاستراتيجيات انتخابية ضيقة. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه فرنسا نقاشات حادة حول الهوية والعلمانية، وسط مخاوف من تنامي الخطاب المتطرف في الفترة التي تسبق الانتخابات.
لمتابعة آخر المستجدات حول هذا الموضوع وغيره من القضايا السياسية والاجتماعية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك