إصلاح التعليم المغربي: نحو مدرسة القرن الواحد والعشرين
في خضم النقاش الوطني حول مستقبل المدرسة المغربية، شدد مصطفى بنعلي، الأمين العام لحزب جبهة القوى الديمقراطية، على أن إصلاح التعليم المغربي ليس مجرد تعديلات سطحية، بل يتطلب ثورة حقيقية في المنظومة التربوية. جاء ذلك خلال استضافته في برنامج “الطريق إلى الانتخابات” على قناة هسبريس، حيث أكد أن تجاوز الاختلالات الحالية يستلزم منظورًا استراتيجيًا وهيكليًا جديدًا، مستلهماً من التجارب الدولية الناجحة التي استثمرت عقودًا في بناء أنظمتها التعليمية.
تحديات الإصلاح في خمس سنوات: لماذا يحتاج التعليم إلى رؤية طويلة الأمد؟
أوضح بنعلي أن تغيير حال المدرسة المغربية خلال ولاية حكومية واحدة (خمس سنوات) يعد أمرًا صعبًا، لأن جميع التجارب الدولية الرائدة اعتمدت تخطيطًا ممتدًا لعقود. وانتقد المقاربات “التقنية والقاصرة” التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة، والتي اقتصرت على مبادرات جزئية مثل “مدارس الريادة” دون معالجة جذرية. ودعا إلى تجاوز المعالجات المرحلية والاستفادة من الممارسات العالمية، مثل النموذج الفنلندي الذي يركز على تكوين المعلمين وتقديرهم اجتماعيًا.
تكوين المدرسين: حجر الزاوية في إصلاح التعليم المغربي
يرى بنعلي أن إصلاح التعليم المغربي يمر حتمًا عبر جعل الجامعة قطبًا أساسيًا لتكوين المدرسين بمؤهلات علمية عالية. واقترح برنامجًا تكوينيًا شاملًا يرتكز على خمس مجموعات رئيسية:
- التكنولوجيا: لمواكبة التحول الرقمي وتوظيف الأدوات الحديثة في التعليم.
- العلوم الاجتماعية: لفهم السياق الاجتماعي والثقافي للتلاميذ.
- علم النفس: لتطوير مهارات التعامل مع الفئات العمرية المختلفة.
- البيداغوجيا: لتحسين طرق التدريس.
- الديداكتيك: لتطوير مهارات الطفل وتعزيز التعلم النشط.
كما شدد على ضرورة مراجعة آليات إسناد المستويات التعليمية، بحيث لا يُكلف المدرسون الجدد بتدريس الفئات الصغيرة (مثل سن السابعة) مباشرة، بل يبدأون مع الفئات الأكثر نضجًا (12 إلى 15 سنة) لاكتساب الخبرة النفسية والتربوية قبل الانتقال إلى الأعمار الأصغر.
الارتقاء بالوضع الاجتماعي للمدرس: مفتاح النهضة التعليمية
أكد بنعلي أن حجر الزاوية في إصلاح التعليم هو رد الاعتبار للموارد البشرية، ليس فقط عبر التكوين الأكاديمي، بل أيضًا بتحسين الوضع الاجتماعي للمدرس. ودعا إلى رفع أجور الأطر التربوية لتضاهي أجور الوزراء، مستشهدًا بدول أوروبية وآسيوية حققت نهضة تعليمية بجعل المدرس محور بناء مواطن المستقبل. هذا التوجه يتطلب استثمارًا كبيرًا في التعليم، لكنه ضروري لتحقيق التنمية المستدامة.
تحرير المرأة: ركيزة أساسية لتحرير المجتمع
على الصعيد الاجتماعي، أشار بنعلي إلى التحولات الديموغرافية المتسارعة، مثل تراجع نظام “الأسرة الممتدة” لصالح “الأسرة النووية”، وارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها النساء. واعتبر أن مساهمة المرأة في تحمل المسؤولية المالية والأسرية تستوجب إعادة النظر في قوانين انتقال الثروة وتقسيمها لتحقيق العدالة والتوازن. كما شدد على أن حزبه حداثي وديمقراطي يتبنى فكرة أن تحرير المرأة هو تحرير للمجتمع، وأن تقدم المجتمع يمر عبر معالجة وضعية النساء اللواتي يشكلن نصفه. وحذر من خطر تغير الهرم السكاني نتيجة ارتفاع نسبة كبار السن (فوق 65 سنة)، مما يتطلب سياسات اجتماعية واقتصادية جديدة.
وفي سياق متصل، دعا بنعلي إلى الاعتراف بالعمل غير المأجور الذي تقوم به النساء في رعاية الأسرة وتربية الأجيال، باعتباره عملًا منتجًا للقيمة المضافة، يستحق التعويض المادي والقانوني، سواء في فترات استقرار الحياة الزوجية أو عند النزاعات، لضمان استقلالية المرأة وكرامتها.
مدونة الأسرة: رهان تشريعي مؤجل
أشار بنعلي إلى أن الرهان كان قائمًا على إخراج مدونة الأسرة إلى حيز الوجود قبل نهاية الولاية الحكومية الحالية، خاصة بعد الاستشارات والاجتماعات التي جمعت مقترحات عدد من الهيئات المغربية، ليتم عرضها لاحقًا على المجلس العلمي الأعلى. ويرى أن تأجيل هذا الإصلاح يعكس تحديات سياسية واجتماعية، لكنه يبقى ضروريًا لمواكبة التحولات المجتمعية.
في الختام، يقدم بنعلي رؤية شاملة لإصلاح التعليم المغربي ترتكز على تكوين المدرسين، تحسين أوضاعهم، ودمج قضايا المرأة في صميم التنمية. هذه الرؤية، إذا ما تبنتها الحكومة المقبلة، قد تشكل نقطة تحول نحو مدرسة القرن الواحد والعشرين. للمزيد من التحليلات السياسية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك