مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل: مفارقة التعليم العالي والانكماش الاقتصادي
على الرغم من أن النساء المغربيات أصبحن يشكلن 56.1% من طلبة التعليم العالي خلال الموسم الجامعي 2024-2025، فإن مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل تواصل التراجع بشكل مقلق. وفقاً لتقرير ميزانية النوع الاجتماعي المرافق لمشروع قانون المالية 2027، انخفض معدل النشاط النسوي من 30.4% سنة 1999 إلى 19% فقط سنة 2025، أي بتراجع قدره 11.4 نقطة. هذه الفجوة بين التحصيل العلمي والاندماج الاقتصادي تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة العوائق التي تحول دون استفادة الاقتصاد الوطني من الكفاءات النسائية.
فجوة النوع في معدلات النشاط: أرقام تكشف حجم التحدي
يبلغ معدل نشاط الرجال 68.5% سنة 2025، مما يعني وجود فجوة تقارب 50 نقطة مئوية بين الجنسين. وتتفاقم المفارقة عندما نلاحظ أن النساء الحاصلات على شهادات عليا يسجلن معدل نشاط لا يتجاوز 45.4%، مقابل 14.4% لغير الحاصلات على شهادة و12.8% لحاملات شهادات المستوى المتوسط. ورغم أن التعليم يرفع فرص المشاركة، فإنه لا يضمن الإدماج المهني، إذ أن 34% من النساء الجامعيات النشيطات عاطلات عن العمل سنة 2025، مقابل 19.7% لدى الرجال من نفس المستوى التعليمي.
الانكماش الريفي: الوجه الخفي لتراجع مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل
تكشف البيانات عن تحول جغرافي خطير: ففي المناطق القروية، انخفض معدل نشاط النساء من 36.9% سنة 2014 إلى 18.2% سنة 2025، أي بفقدان 18.7 نقطة في أحد عشر عاماً. في المقابل، ارتفع معدل النشاط النسوي الحضري بشكل طفيف من 17.8% إلى 19.4%. هذا الانقلاب يعني أن النساء القرويات، اللواتي كن الأكثر نشاطاً اقتصادياً قبل عقد، أصبحن اليوم الأقل مشاركة، مما يفسر الجزء الأكبر من التراجع الوطني.
النساء الشابات بين البطالة والعزلة الاقتصادية
تشير دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، إلى أن 2.94 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة كانوا خارج منظومة التعليم والتكوين والتشغيل (NEET) سنة 2023. النساء يمثلن 72% من هذه الفئة، مع احتمال مضاعف للوقوع في هذه الحالة مقارنة بالرجال. وتصل نسبة الشابات غير النشيطات إلى 50.2% في الفئة العمرية 25-29 سنة، مقابل 25.6% لدى الفئة 15-24 سنة، مما يعكس تأثير الزواج والأطفال الصغار على مسار المشاركة الاقتصادية.
عوائق متشابكة: بين مسؤوليات الأسرة وغياب الدعم
يحدد التقرير جملة من العراقيل التي تعيق مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل، من بينها:
- غياب أو محدودية خدمات رعاية الأطفال والمسنين.
- صعوبات التنقل والأمان في وسائل النقل.
- شروط الحصول على التمويل وريادة الأعمال.
- الأعراف الاجتماعية التي تحمّل المرأة عبء الرعاية غير المدفوعة.
وتزداد هذه الضغوط مع التحول الديموغرافي، حيث ارتفعت نسبة كبار السن (60 سنة فأكثر) من 9.4% سنة 2014 إلى 13.6% سنة 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 25.2% بحلول 2060، مما سيزيد الطلب على الرعاية الأسرية التي تقع غالباً على عاتق النساء.
ريادة الأعمال النسائية: فرص محدودة وتمويل شحيح
لا تقتصر الفجوة على العمل المأجور، بل تمتد إلى إنشاء المقاولات. ففي سنة 2024، كانت 15.6% فقط من المقاولات التي شملتها بيانات التقرير تديرها نساء، بينما لم تتجاوز حصتهن من إجمالي القروض الممنوحة للمقاولات 10.8%. هذا يعني أن النساء يواجهن صعوبات مضاعفة في الوصول إلى التمويل وتطوير المشاريع، مما يحد من مساهمتهن في النسيج الاقتصادي.
استراتيجيات لتحسين مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل
يدعو التقرير إلى تدخلات متكاملة تشمل تحسين ظروف الولوج إلى التشغيل، وتوسيع خدمات الحضانة، وتسهيل النقل، وتعزيز مواكبة المشاريع النسائية. كما تشمل الجهود خارطة الطريق للتشغيل ومبادرة الإدماج الاقتصادي للنساء، بشراكة بين وزارة الاقتصاد والمالية والبنك الدولي. ويشدد التقرير على أن ضعف مشاركة المرأة المغربية في سوق العمل لا يمثل فقط قضية مساواة، بل يشكل خسارة للاقتصاد الوطني، إذ يحرمه من طاقات مؤهلة كان يمكن أن تساهم في النمو ورفع مردودية الاستثمارات في التعليم والتكوين.
للمزيد من التحليلات الاقتصادية والاجتماعية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
ولفهم أعمق لمفهوم النوع الاجتماعي وأثره على التنمية، يمكن الرجوع إلى صفحة النوع الاجتماعي على ويكيبيديا.
التعليقات (0)
اترك تعليقك