الاستثمارات المناخية للمؤسسات العمومية المغربية: نحو تحول هيكلي بقيمة 140.6 مليار درهم
في خطوة تعكس التزام المغرب المتزايد بقضايا المناخ، كشف التقرير المرافق لمشروع قانون المالية 2027 عن أرقام غير مسبوقة: الاستثمارات المناخية للمؤسسات العمومية المغربية بلغت 140.58 مليار درهم ضمن محفظة إجمالية تناهز 155.24 مليار درهم بحلول 2030. هذه الأرقام، التي تمخضت عن توسيع نطاق التقييم ليشمل 40 مؤسسة عمومية، تمثل نقلة نوعية في طريقة تعامل الدولة مع التحديات البيئية، وتؤكد أن المؤسسات العمومية أصبحت فاعلًا محوريًا في التحول الأخضر.
من التجربة الرائدة إلى التوسع: كيف تطور تقييم الاستثمارات المناخية للمؤسسات العمومية المغربية؟
بدأت الحكاية في 2025 بتجربة رائدة شملت عشر مؤسسات فقط، حيث تم تحليل مشاريع الفترة 2022-2024. أسفرت تلك التجربة عن 58 مشروعًا بقيمة 54 مليار درهم، منها 32 مليار درهم ذات مكون مناخي (59%). لكن النسخة الثانية، الممتدة حتى 2030، رفعت السقف بشكل كبير: 19 مؤسسة قدمت 53 مشروعًا، لتقفز القيمة الإجمالية إلى 155.24 مليار درهم، منها 140.58 مليار درهم مكون مناخي، أي بنسبة 91% من المحفظة المعلنة.
هذا التوسع لم يكن مجرد زيادة عددية، بل مثّل اختبارًا لمنهجية جديدة. فبينما اعتمدت التجربة الأولى على مؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) المعدلة، عملت النسخة الثانية على ترسيخ هذه المنهجية وتطوير أدوات جمع موحدة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تعكس فقط المشاريع التي صنفتها المؤسسات نفسها على أنها ذات صلة مناخية، وليس إجمالي استثماراتها.
توزيع المحفظة: الطاقة والزراعة والمياه في الصدارة
تكشف البيانات عن تركيز واضح للاستثمارات المناخية في قطاعات حيوية. فمن أصل 140.58 مليار درهم، استحوذت مشاريع التخفيف (الحد من الانبعاثات) على 107 مليارات درهم (76%)، بينما ذهبت 33 مليار درهم (24%) لمشاريع التكيف. هذا الانحياز نحو التخفيف يعكس طبيعة المشاريع الكبرى المعلنة، خاصة في مجال الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر.
على مستوى الجهات المانحة، تصدرت مجموعة OCP المشهد باستحواذها على نصيب الأسد من المشاريع، تليها مؤسسات كبرى مثل MASEN وONEE وTanger Med. وتوزعت المشاريع على قطاعات الطاقة والمياه والصناعة والبنية التحتية، مع حضور لافت للقطاع الفلاحي عبر مشاريع التكيف مع ندرة المياه.
هيكل التمويل: تحديات الاعتماد على الديون
أحد أبرز المفارقات التي يسلط التقرير الضوء عليها هو التحول الجذري في هيكل التمويل بين التجربتين. ففي 2025، كانت الموارد الذاتية تمثل 26% من التمويل، بينما انخفضت في 2026 إلى 3.07% فقط. في المقابل، قفزت الديون والاقتراضات إلى 53.78%، مقابل 10% سابقًا. كما تراجعت مساهمة المؤسسات المالية الدولية من 27% إلى 4.63%، والتمويلات الثنائية من 19% إلى 0.66%.
هذا التحول يثير تساؤلات حول استدامة هذا النموذج التمويلي. فمع الاعتماد المتزايد على الديون، قد تواجه المؤسسات العمومية ضغوطًا مالية في المستقبل، خاصة في ظل تقلبات أسعار الفائدة العالمية. ويشير التقرير إلى أن هذه المقارنة يجب أن تؤخذ بحذر، نظرًا لاختلاف طبيعة المشاريع وفترات التقييم.
مشاريع 2035: 17 مبادرة طموحة تنتظر التمويل
يقدم التقرير رؤية استشرافية لمشاريع مستقبلية تهدف إلى تعزيز المساهمة المحددة وطنيًا (CDN 3.0) بحلول 2035. تم حصر 17 مشروعًا تقودها 7 مؤسسات، أبرزها OCP (7 مشاريع) وANDZOA وINRA (3 مشاريع لكل منهما). تركز هذه المشاريع على التكيف مع التغيرات المناخية، خاصة في مجالات المياه والزراعة والواحات، إلى جانب مشاريع للتخفيف مثل الطاقة المتجددة وكهربة السكك الحديدية.
من بين الأهداف الطموحة: تحويل مليون هكتار إلى الزراعة المباشرة، وتقليل استنزاف المياه الجوفية بنسبة 50% بحلول 2030، وتطوير 1.2 جيجاواط من الطاقات المتجددة. كما يتضمن المشروع الرائد لـ ANDZOA تزويد 531 مركزًا ومنشأة بالطاقة الشمسية، مما سيوفر 2.32 جيجاواط ساعة سنويًا ويقلل 1630 طنًا من انبعاثات الكربون.
التحديات: من التخطيط إلى التنفيذ
رغم الأرقام المبشرة، يواجه هذا المسار تحديات حقيقية. أولها غياب تصنيف وطني موحد للاستثمارات المناخية، مما يدفع إلى الاعتماد على معايير دولية قد لا تتلاءم تمامًا مع السياق المغربي. ثانيها تفاوت مستوى النضج بين المؤسسات، حيث لا تزال بعضها تفتقر إلى أنظمة تتبع مناخية منهجية. ثالثها الحاجة إلى إطار reporting ESG موحد، وهو ما تعمل عليه الحكومة عبر مشروع référentiel جديد يستند إلى مبادئ الحوكمة الرشيدة.
كما أن مسألة التمويل تبقى العقبة الكبرى. فمع تراجع مساهمة المانحين الدوليين، ستحتاج المؤسسات إلى ابتكار آليات تمويل جديدة، مثل السندات الخضراء والشراكات بين القطاعين العام والخاص، لضمان استمرارية هذه الاستثمارات.
خلاصة: نحو نموذج مغربي للاستثمار المناخي
تمثل هذه الأرقام خطوة مهمة في مسار المغرب نحو اقتصاد أخضر، لكنها تبقى مجرد بداية. فالنجاح الحقيقي سيتوقف على القدرة على تحويل هذه الخطط إلى مشاريع ملموسة، وضمان تمويل مستدام، وبناء نظام حوكمة قادر على قياس الأثر ومراقبته. وللمزيد من التحليلات الاقتصادية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
وللتعرف على مفهوم التغير المناخي وأبعاده العالمية، يمكن الرجوع إلى المصادر العلمية الموثوقة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك