عاجل

امتيازات القطاع الرياضي في المغرب: تحليل معمق لتأثير مشروع قانون المالية 2026

امتيازات القطاع الرياضي في المغرب: تحليل معمق لتأثير مشروع قانون المالية 2026

في ظل سعي الحكومة المغربية لتعزيز التماسك الاجتماعي وتمويل ورش الحماية الاجتماعية الطموحة، يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2026 حاملاً في طياته مقترحات لتمديد المساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخول. ومع ذلك، يثير هذا التوجه جدلاً واسعاً بخصوص استمرار منح القطاع الرياضي امتيازات وإعفاءات ضريبية متعددة، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول العدالة الجبائية والبعد التضامني للجباية. إن تأثير مشروع قانون المالية على القطاع الرياضي يتجلى في مجموعة من التعديلات التي تهدف، ظاهرياً، إلى هيكلة هذا القطاع وتحويله نحو الاحترافية، لكنها في الوقت ذاته تفوت على خزينة الدولة مداخيل قد تكون حاسمة.

لقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التعديلات الضريبية التي استهدفت القطاع الرياضي، معظمها يندرج ضمن إطار تشجيع التحول من الجمعيات إلى شركات رياضية. فمنذ قانون المالية لسنة 2012، تم إقرار سعر تفضيلي للضريبة على الشركات بنسبة 17.5% للشركات الرياضية الناشئة لمدة خمس سنوات، قبل أن تتطور هذه الامتيازات لتشمل إعفاءات كاملة وتخفيضات في ضريبة الدخل على أجور الرياضيين المحترفين.

الامتيازات الضريبية المتجددة للقطاع الرياضي: إعادة جدولة وتوسيع

يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2026 إعادة تأكيد وتمديد للعديد من الأحكام الضريبية التفضيلية الممنوحة للقطاع الرياضي، والتي يرى بعض الخبراء أنها مبالغ فيها وتتعارض مع مبدأ العدالة الجبائية. من أبرز هذه الامتيازات:

  • الضريبة على الشركات: يواصل المشروع إعفاء الشركات الرياضية من مجموع الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات محاسبية متتالية، مع تعديل بسيط يحدد بداية هذه المدة “من السنة المحاسبية التي أنجزت خلالها أول عملية بيع خاضعة للضريبة”. هذا يهدف إلى تكييف بدء الاستفادة مع طبيعة العمليات التجارية للشركات الرياضية.
  • الخصم على أجور الرياضيين المحترفين: على الرغم من التوقعات بالعودة إلى نسبة الخصم العادية (50%) في ضريبة الدخل على أجور الرياضيين المحترفين بحلول عام 2025، جاء قانون المالية 2022 ليمدد العمل بالمقتضيات التفضيلية، وها هو مشروع 2026 يعيد جدولة هذه الخصوم لتمتد بنسب متناقصة (90%، 80%، 70%، 60%) حتى عام 2029، مما يؤجل العودة للنسبة العادية إلى سنة 2030.
  • خصم الهبات والتبرعات: يسمح المشروع بخصم الهبات النقدية أو العينية الممنوحة للشركات الرياضية من الربح الخاضع للضريبة، وذلك بحد أقصى 10% من الربح ودون تجاوز 5 ملايين درهم، مما يشجع على دعم وتمويل هذه الشركات.
  • الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة: تم تمديد هذا الإعفاء للشركات الرياضية حتى سنة 2030، وهو ما يقلل من الأعباء المالية عليها ويسهل عملياتها.
  • الإعفاء من زائد القيمة: توسيع نطاق الإعفاء المتعلق بزائد القيمة الناتج عن المساهمة بأصول وخصوم جمعية رياضية في شركة رياضية، ما يعزز عملية التحول الهيكلي.

العدالة الجبائية ومبدأ التضامن: جدل مستمر

يرى عثمان مودن، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية، أن هذه الامتيازات المبالغ فيها تتنافى مع مبدأ العدالة الجبائية وتفوت على ميزانية الدولة مداخيل ضخمة، خاصة وأن أجور الرياضيين المحترفين غالباً ما تكون مرتفعة. واستشهد بمقولة الألماني فرانس مونتفرينغ: “الأكتاف القوية ينبغي أن تتحمل الأعباء الثقيلة”، مشدداً على أن هذه المداخيل يمكن أن تسهم بفعالية في تمويل ورش الحماية الاجتماعية وتكريس قيم الوحدة والتضامن في المجتمع.

من جهة أخرى، يرى أمين سامي، المتخصص في التخطيط الاستراتيجي والمحلل الاقتصادي، أن تأثير مشروع قانون المالية على القطاع الرياضي يتجاوز مجرد الجباية، ليكون أداة استراتيجية لإعادة هيكلة المنظومة. ويشير إلى أن هذه الضريبة، بذكاء، تحاول تحويل القطاع من اقتصاد غير رسمي وهش إلى اقتصاد منظم ومستدام وقادر على التمويل الذاتي. وللتعمق أكثر في مفهوم الضريبة على الشركات، يمكن الرجوع إلى صفحة ويكيبيديا حول الضريبة على الشركات.

الأبعاد الاستراتيجية والتحول المنشود للقطاع الرياضي

يحدد أمين سامي عدة أبعاد استراتيجية لهذه المقاربة الضريبية:

  • البعد المالي-الضريبي الذكي: الضريبة تستهدف صافي الأرباح وليس إجمالي الإيرادات، وتضع عتبة 5 ملايين درهم، مما يحمي الأندية الصغيرة والمتوسطة ذات الهياكل المالية الهشة ويحقق عدالة داخلية في القطاع.
  • توجيه الاستثمار: إعفاء الاستثمارات في البنى التحتية والتكوين يحول الضريبة من “عقاب” إلى “أداة توجيه”، مشجعاً الأندية على إعادة استثمار أرباحها في مجالات تنموية تعود بالنفع على المنظومة ككل.
  • الاحتراف الإداري والمالي: فرض الضريبة على الأرباح يستدعي تبني أنظمة محاسبة ومراقبة مالية متطورة وشفافة، مما يدفع الأندية نحو الاحتراف الإداري والمالي، وهو أساس بناء نموذج اقتصادي رياضي مستدام.
  • تفكيك اقتصاد الريع: باستهداف الأرباح التي غالباً ما تأتي من بيع اللاعبين أو الصفقات التجارية الكبرى، تقلل الضريبة من اعتماد النادي على مورد واحد وتدفعه لتنويع مصادر دخله (التسويق، المنتجات، الاستثمار في الأصول).
  • البعد الاجتماعي-الإنمائي: توجيه 50% من حصيلة الضريبة لصندوق دعم الرياضة الوطنية يعني تحويل جزء من ثروات القطاع المحترف لدعم الرياضات الأقل جماهيرية، والرياضة النسوية، والرياضة في المناطق القروية، مما يخلق نموذجاً للتضامن المالي ويساهم في تحقيق العدالة المجالية الرياضية.

في الختام، يمثل مشروع قانون المالية لسنة 2026 نقطة تحول مفصلية للقطاع الرياضي في المغرب. فبين مطرقة الحاجة إلى تعبئة الموارد لدعم الحماية الاجتماعية وسندان الرغبة في هيكلة وتطوير القطاع الرياضي، تسعى الحكومة للموازنة بين أهداف تبدو متناقضة أحياناً. إن فهم هذه التفاعلات وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية أمر بالغ الأهمية لكل مهتم بمستقبل الرياضة والاقتصاد المغربي. لمتابعة آخر التطورات الاقتصادية والمالية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.