تشهد ضواحي الدار البيضاء في الآونة الأخيرة حراكاً غير مسبوق من طرف السلطات المحلية والإقليمية، يتجلى في تكثيف حملات مراقبة وزجر خروقات التعمير بضواحي الدار البيضاء. هذه التحركات، التي تأتي بتنسيق محكم بين مختلف الأجهزة المعنية، تهدف إلى وضع حد لظاهرة البناء العشوائي التي تزايدت وتيرتها بشكل مقلق، محوّلةً الأراضي الفلاحية إلى تجمعات سكنية ومستودعات ضخمة تفتقر لأبسط معايير السلامة والتخطيط العمراني السليم.
تفاقم الظاهرة وتداعياتها السلبية على المحيط العمراني
لقد شهدت أقاليم برشيد، مديونة، المحمدية، وبنسليمان انتشاراً واسعاً للبناء غير القانوني، خصوصاً على طول محاور الطرق الرئيسية والمناطق ذات الطابع الفلاحي. هذه الظاهرة لا تقتصر على تشويه المنظر العام والمساحات الخضراء، بل تتعداها لتشكل تهديداً حقيقياً على التوازن البيئي والاقتصادي والاجتماعي. فالمباني التي تُشيد دون تراخيص أو احترام للتصاميم العمرانية المحددة غالباً ما تفتقر للبنى التحتية الأساسية من شبكات صرف صحي، مياه شرب، وكهرباء منظمة، مما يثقل كاهل الجماعات الترابية ويخلق بؤراً للعشوائية والفوضى.
وقد كشفت تقارير استعجالية أن عدداً كبيراً من المستودعات و”الهنكارات” الكبيرة تظهر خارج أي رقابة، وتُجهز بالكهرباء في ظروف تثير تساؤلات حول مدى قانونية التراخيص، إن وجدت. هذه الوضعية أدت إلى استنزاف الموارد وتهديد السلامة العامة للمواطنين، كما أنها تعرقل أي محاولة لتطوير التخطيط العمراني المستدام.
حملات مراقبة وزجر خروقات التعمير بضواحي الدار البيضاء: منهجية شاملة ومؤطرة
إن التحركات الحالية لا تقتصر على عمليات هدم عشوائية، بل هي جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى تصحيح الاختلالات التعميرية بشكل جذري. تعتمد هذه الحملات على:
- صور جوية حديثة: لتحديد بؤر البناء غير القانوني بدقة عالية.
- تنسيق محكم: بين عمال الأقاليم، الوكالة الحضرية، وأقسام التعمير بالعمالات.
- تعليمات صارمة: من المصالح المركزية بوزارة الداخلية، مع التركيز على سلوك الإجراءات القانونية المتعلقة بالإشعار وضبط المخالفات بمحاضر قانونية قبل الشروع في الهدم.
- تجنب المنازعات: توجيهات بعدم التسرع في قرارات الهدم غير المدروسة لتفادي تحميل ميزانية الدولة تعويضات ضخمة نتيجة أحكام القضاء الإداري، كما حدث في عمليات سابقة.
ومن المنتظر أن تشمل هذه العمليات مناطق واسعة بدائرة الكارة بإقليم برشيد، وبالقرب من دوار “بڭارة” بجماعة قصبة بن مشيش، ومحيط دوار “لوشاشنة” بقيادة أولاد زيان، إضافة إلى مناطق بإقليم بنسليمان، خاصة بمحيط جماعة “موالين الواد”. تهدف هذه الإجراءات إلى إرساء نظام عمراني يحترم القوانين ويحمي حقوق الجميع.
التحديات والآفاق المستقبلية لتنظيم المجال العمراني
على الرغم من حزم السلطات، تواجه هذه الحملات تحديات جمة. فإلى جانب مقاومة المخالفين، هناك أيضاً الحاجة إلى معالجة الإشكالية الأساسية التي تدفع بالبعض إلى البناء العشوائي، مثل غياب البدائل السكنية الميسرة، وتعقيدات مساطر الترخيص. كما أن مسألة الأراضي الفلاحية المملوكة على الشياع تمثل عقبة إضافية تتطلب حلولاً قانونية وتنظيمية مبتكرة.
إن نجاح هذه الحملات لا يتوقف فقط على عمليات الهدم والزجر، بل يستلزم أيضاً تفعيل أدوات التخطيط العمراني الاستباقية، ووضع برامج سكنية تُلبي حاجيات الفئات المختلفة، وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالتعمير. الهدف الأسمى هو تحقيق تنمية حضرية متوازنة وشاملة، تضمن العيش الكريم للمواطنين وتحافظ على جمالية ونظام المدن والضواحي المغربية.
للمزيد من الأخبار والتحليلات حول التطورات في مجال التعمير بالمغرب، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك