في خطوة تعكس التزام السلطة القضائية المغربية بتعزيز دقة الإجراءات وتجويد منظومة العدالة، أصدر رئيس النيابة العامة، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، هشام بلاوي، توجيهات صارمة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، مؤكداً على أهمية تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة في أوامر الإيداع بالسجن بشكل دقيق وواضح. هذه الدورية الجديدة تأتي في سياق التعديلات التي طالت قانون المسطرة الجنائية، وتهدف إلى سد الثغرات وتوحيد الممارسات القضائية بما يضمن التطبيق السليم للقانون.
تفاصيل توجيهات النيابة العامة الجديدة
شددت الدورية على ضرورة أن يتولى قاضي النيابة العامة، الذي يدرس المحضر ويتخذ قرار المتابعة في حالة اعتقال، توضيح تاريخ ارتكاب الجريمة والإشارة إليه بوضوح تام عند تسطير المتابعة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أكد بلاوي على ضرورة التحقق الدقيق قبل توقيع الأمر بالإيداع في السجن، لضمان قيام كتابة النيابة العامة بتضمين هذا التاريخ بشكل لا يدع مجالاً للشك أو التأويل.
وفي حالات خاصة تتسم بتعقيد الجرائم، كأن يكون الشخص قد تورط في ارتكاب جرائم متعددة أو استمر في فعل جرمي لمدة زمنية طويلة، ألزمت التوجيهات بـتوضيح تاريخ ارتكاب الجريمة الأولى أو الشروع فيها، بالإضافة إلى تاريخ آخر فعل جرمي تم اقترافه. هذا التحديد المزدوج يُعد ركيزة أساسية لضمان التفعيل السليم لأحكام إدماج العقوبات والإكراه البدني، مما يعكس نظرة شمولية لتطبيق القانون.
الأبعاد القانونية العميقة لأهمية تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة
إن تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو مفتاح لعديد من الآثار القانونية الجوهرية التي تؤثر على مسار الدعوى العمومية وحتى على تنفيذ العقوبات. ومن أبرز هذه الآثار:
- احتساب مدة تقادم الدعوى العمومية: يعد تاريخ ارتكاب الجريمة نقطة الانطلاق لحساب مدة التقادم، التي بانقضائها تسقط الدعوى العمومية. أي خطأ في هذا التاريخ قد يؤدي إلى تطبيق غير عادل للقانون، سواء بتسريع سقوط الدعوى أو استمرارها بلا سند.
- التمييز بين الرشداء والأحداث: يلعب هذا التاريخ دوراً محورياً في تحديد الصفة القانونية للمشتبه فيه (حدث أو راشد)، وهو معيار أساسي لتطبيق الأحكام الخاصة بالأحداث، التي تختلف كلياً عن تلك المطبقة على الرشداء، خاصة فيما يتعلق بالتدابير الحمائية والعقوبات.
- مرحلة تنفيذ العقوبة السالبة للحرية والإكراه البدني: تستمر أهمية تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة حتى بعد صدور الحكم. فهو شرط أساسي للتثبت من توفر حالة تعدد الجرائم التي ينتج عنها إدماج العقوبات السالبة للحرية، وفقاً لما نص عليه الفصلان 119 و120 من مجموعة القانون الجنائي. كما أنه لا يمكن تطبيق الإكراه البدني إذا كان سن المحكوم عليه يقل عن 20 سنة عند ارتكاب الجريمة، طبقاً للمقتضيات الجديدة الواردة في المادة 636 من قانون المسطرة الجنائية.
نحو منظومة قضائية أكثر شفافية وفعالية
إن هذه الأدوار الجديدة المنوطة بالوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك، بموجب التعديلات الأخيرة في قانون المسطرة الجنائية، تستدعي يقظة فائقة وحرصاً على التوثيق الدقيق لتاريخ ارتكاب الجريمة. الهدف الأسمى هو تفادي أي صعوبات قد تنشأ عند تطبيق العقوبات السالبة للحرية أو الإكراه البدني المتعلق بالغرامات والمصاريف القضائية. هذا التحديد الدقيق يساهم في بناء منظومة قضائية أكثر شفافية، حيث تكون جميع الإجراءات مستندة إلى معلومات موثقة وغير قابلة للتأويل، مما يعزز الثقة في العدالة ويصون حقوق المتقاضين.
تعتبر هذه التوجيهات خطوة أساسية نحو تجويد الممارسة القضائية وضمان العدالة الإجرائية، مما يؤكد التزام النيابة العامة بتطبيق القانون بروح الدقة والإنصاف. للمزيد من الأخبار والتغطيات القانونية، تابعوا موقع الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك