لطالما عرف غييرمو ديل تورو، المخرج المكسيكي الحائز على الأوسكار، بشغفه العميق بالوحوش والكائنات الغريبة، ليس كرموز للشر المطلق، بل كمرآة تعكس أعمق مخاوف وأحلام البشرية. تتجلى هذه النظرة الفريدة بوضوح في مشروعه المرتقب لفيلم “فرانكشتاين”، الذي يتجاوز كونه مجرد إعادة سرد لقصة كلاسيكية ليقدم فلسفة غييرمو ديل تورو في فيلم فرانكشتاين كرحلة وجودية وفلسفية تأسر الألباب. يدعونا ديل تورو إلى عالم حيث الوحش ليس مجرد كائن مخيف، بل روح تبحث عن الضوء في ظلام الرفض، وتتوق إلى فهم ذاتها في عالم قاسٍ.
إعادة تعريف الوحش: قلب فلسفة غييرمو ديل تورو في فيلم فرانكشتاين
في رؤية ديل تورو، لا يُعد المخلوق الذي ابتكره الدكتور فيكتور فرانكشتاين مجرد كتلة من اللحم المجمع، بل هو كائن يشعر بالوحدة، يفتقد الانتماء، ويُطارد اعترافًا بوجوده. يعيد المخرج تشكيل هذا الرمز الأيقوني من كونه مصدرًا للرعب إلى شخصية معقدة تعاني من شظايا نفسية ووجودية. تمامًا كما حدث معه حين رأى فيلم فرانكشتاين الكلاسيكي في شبابه وأحس بتجسيد لشعوره بالغربة، يسعى ديل تورو لأن يجعل الجمهور يتصل عاطفيًا بالوحش.
إنَّ هذا التوجه يتطابق مع ميل ديل تورو الدائم نحو الوحوش التي تمثل “الآخر” البائس والمُهمَّش، كما رأينا في أعماله السابقة مثل “متاهة بان” (Pan’s Labyrinth) و”شكل الماء” (The Shape of Water). هو يرى في الوحش مرآة لمعانٍ أعمق في النفس البشرية، تجبر المشاهد على مواجهة أعمق أسئلة الإنسانية: ما معنى القبول والانتماء؟ وما الثمن الأخلاقي لتهديد التوازن الطبيعي بالخلق؟
صراع الخلق والمسؤولية: قصة آباء وأبناء
تتعمق نسخة ديل تورو في إشكالية الخلق، لتطرح سؤالاً جوهرياً: من يملك الحق في ابتكار الحياة؟ وما هي المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الخالق تجاه ما يبدعه؟ يصور الفيلم علاقة الدكتور فرانكشتاين بمخلوقه كقراءة لأزمة الأبوة والابن، محاولة للفهم والوفاق بعد ألم الخلق. يؤكد ديل تورو أن جوهر القصة يكمن في “قصة آباء وأبناء”، وأن اللحظة المحورية هي عندما يحاول الأب قتل ابنه، مما يمكّن الابن لاحقًا من رواية جانبه من القصة، ويفتح الباب نحو التسامح.
هذا الجانب من السرد يبرز التوتر الفلسفي بين القوة الإلهية للخلق والحدود الأخلاقية للعلم، وهو موضوع استكشفته ماري شيلي ببراعة في روايتها الأصلية.
رحلة الوحش الوجودية: البحث عن الضوء والحب
تتحرك كاميرا ديل تورو مع الوحش بخفة الظل وثقل المعاناة، فتشعر بأن كل خطوة يخطوها تحمل صدى وحدة الإنسان وألمه المكبوت. يجسد الممثل ياكوب إيلوردي هذا الصراع الداخلي ببراعة، حيث خضع لساعات طويلة من المكياج والأطراف الصناعية، لكن التحدي الأكبر كان داخليًا، إذ عاش عزلة شبه رهبانية أثناء التصوير ليدخل في روح المخلوق. تعكس عزلته فكرة الولادة الجديدة، حيث المخلوق ليس قوة خارقة، بل روح تبحث عن السلام والقبول.
في حواراته المتقطعة والصامتة، يسائل الوحش العالم عن حقه في الوجود. مقولته للبروفيسور فرانكشتاين: “وُلدت في النار والظل، ومع ذلك أبحث عن الضوء والحب”، تختزل صراع الإنسان مع ذاته ومع عالم يرفضه، وتجعل من الفيلم رحلة عاطفية تتجاوز الرعب لتصبح تجربة وجودية تحبس الأنفاس. إنه ليس مجرد وحش خارج عن القانون، بل كائن يسعى لفهم ذاته ويطارد الاعتراف بهويته.
الجماليات القوطية واللغة السينمائية لديل تورو
من الناحية البصرية، يلتزم ديل تورو بشغفه بالتصاميم والجو القوطي الذي يجمع بين الجمال والغرابة، بين العلم والطقوس. تستحضر المختبرات المظلمة، والتأثيرات البصرية المتقنة، والإضاءة المكثفة عصر الرعب الكلاسيكي، لكن مع إحساس حديث بالإنسانية. اللغة الدرامية تجمع بين المونولوج والشحنة العاطفية، وبين الصمت والصراخ الداخلي، مما يجعل الحوار بين فرانكشتاين ومخلوقه حوارًا وجوديًا عميقًا. “هل أنا بشر؟ هل لي الحق أن أعيش؟” تتساءل الشخصيتان في أعماقهما.
نقد الظلم الاجتماعي ودعوة للتعاطف
يستعرض الفيلم أبعادًا اجتماعية وسياسية من خلال معاملة البشر للوحش، إذ يصبح الآخر المستبطن الذي يُرفض ويُطرد، مما يعكس التهميش والفجوة بين الفرد والمجتمع. ترمز هذه الإشكالية إلى الصراع بين النظام الاجتماعي والتفرد الشخصي، حيث يظهر الوحش كضحية للمعايير القاسية والمواقف المسبقة. إنه يؤكد أن الظلم الاجتماعي هو جزء من معاناته اليومية، وهو ما يتضح في قوله: “هم يرون فقط ما أنا مصنوع منه، لا ما أشعر به”.
يربط ديل تورو بين كل هذه الأبعاد ليؤسس لهوية فيلمية متميزة تجمع بين الرعب، الدراما النفسية، والجماليات القوطية، مانحًا العمل طابعًا أدبيًا وعمقًا فكريًا. هدفه هو أن يرى الجمهور الوحش كبطل يتصارع مع ذاته قبل أن يتصارع مع العالم، يدعوهم إلى فهم وحدته وحنينه للقبول.
في الختام، لا يقدم غييرمو ديل تورو “فرانكشتاين” بوصفه مجرد عمل فني يعيد قصة خاضتها الأجيال، وإنما كمحاولة لتجديدها، وإعادة إحياء الشعور الذي انتاب القارئ عند أول لقاء مع تلك الشخصيات. تتجاوز فلسفة غييرمو ديل تورو في فيلم فرانكشتاين مجرد الرعب لتصبح دعوة للتراحم والفهم، تاركة المشاهد أمام أسئلة كبرى عن الأخلاق والهوية والسلطة والرحمة، وعن الحدود التي نرسمها لأنفسنا وللآخرين. يظل حضور الوحش الجسدي واللغوي شاهدًا على وجع الكائن وعمق معاناته، فكلماته: “أين الرحمة التي صنعتني لأبحث عنها وسط صخب العالم؟” تتردد في ذهن المشاهد وتجعل من الفيلم تجربة متجددة تحرك المشاعر والفكر على حد سواء. للمزيد من التحليلات السينمائية المتعمقة، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك