عاجل

جدل المصادقة على قانون التعليم المدرسي 59.21: تحليل معمق لتداعياته على القطاعين العام والخاص

جدل المصادقة على قانون التعليم المدرسي 59.21: تحليل معمق لتداعياته على القطاعين العام والخاص

شهدت الساحة التشريعية المغربية حدثًا بارزًا تمثل في مصادقة لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب على مشروع القانون رقم 59.21 المتعلق بالتعليم المدرسي. هذه المصادقة، التي جاءت بعد اجتماع ماراثوني دام لأكثر من ست ساعات، أفرزت جملة من القرارات التي تحمل في طياتها تداعيات قانون التعليم المدرسي الجديد على مستقبل المنظومة التعليمية برمتها، مثيرةً نقاشًا واسعًا حول قضايا حيوية مثل تمويل التعليم العمومي ودور القطاع الخاص.

تفاصيل المصادقة وموقف الوزارة من التعديلات

تمكنت لجنة التعليم من البت في حوالي 228 تعديلاً مقدمًا من فرق الأغلبية والمعارضة، حظي القانون بموافقة 11 نائبًا ومعارضة 3، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت. وقد تمسك وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، بالخطوط العريضة لمشروع القانون، رافضًا حزمة من التعديلات الجوهرية التي اقترحتها المعارضة، ومكتفيًا بقبول بعضها، خصوصًا تلك المتعلقة بتوحيد الصياغة والمصطلحات.

من أبرز المواد التي تم الإبقاء عليها، المادة 62، التي تفرض غرامات مالية تتراوح بين 2000 و 5000 درهم على المسؤولين القانونيين عن رعاية الأطفال في حال عدم تسجيلهم بالمدارس عند بلوغ سن التمدرس، مع مضاعفة الغرامة في حالة العود. هذا القرار جاء رغم دعوات بعض التعديلات لتبني صيغة “التنبيه” في المرحلة الأولى، مما يؤكد عزم الوزارة على التصدي لظاهرة الهدر المدرسي بصرامة.

تمويل التعليم العمومي: بين السيادة والشراكة

تصدرت قضية تمويل التعليم العمومي صلب الجدل خلال النقاشات. فقد رفض الوزير مقترح إلزام الجماعات الترابية بتخصيص نسبة لا تقل عن 25% من ميزانيتها الاستثمارية لدعم البنية التحتية والتجهيزات للمؤسسات التعليمية العمومية، معللاً ذلك بتعارضه مع القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية. هذا الرفض يطرح تساؤلات حول آليات تمويل المدارس العمومية في ظل التحديات الحالية.

وفي المقابل، تشبث برادة بإمكانية الشراكة مع الهيئات العمومية والخصوصية لتمويل التعليم العمومي المدرسي، وهو ما أثار ردود فعل متباينة، خاصة بعد رفضه لتعديل “يساري” يطالب بأن يمول التعليم بشكل كامل وأساسي من طرف الدولة، ضمانًا لمجانيته في جميع الأسلاك والمستويات. هذه النقطة تكشف عن رؤية حكومية تدمج القطاع الخاص في معادلة تمويل التعليم العمومي، وهو ما يحمل تداعيات قانون التعليم المدرسي الجديد على مبدأ المجانية وولوجية التعليم.

معالجة الهدر المدرسي ودعم الفئات الهشة

وفي سياق متصل، تمت الموافقة على إلزام مؤسسات التعليم المدرسي في القطاعين العام والخاص باتخاذ تدابير استباقية لمكافحة الهدر والانقطاع المدرسيين، ومواكبة المتعلمين المعرضين للفشل، وذلك بناءً على تعديل فريق التقدم والاشتراكية. هذه الخطوة تعكس وعيًا بأهمية المعالجة المبكرة لمشكلات التسرب الدراسي.

غير أن الوزير رفض إلزام وزارته بوضع برامج دعم موسعة وشاملة للفئات الهشة والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، تشمل الإيواء والنقل والإطعام والدعم التربوي بشكل مجاني وكامل، وذلك ارتباطًا بنص المادة 34 من المشروع. هذا الرفض يثير قلقًا بشأن مدى شمولية الدعم الموجه للفئات الأكثر احتياجًا، ويثير تساؤلات حول كيفية ضمان تكافؤ الفرص في ظل هذه المستجدات.

القطاع الخصوصي: بين المنافسة الحرة والرقابة

بخصوص التعليم الخصوصي، أكد الوزير أن مطلب تحديد نسبة الأرباح القصوى لمؤسسات التعليم الخصوصي وتوجيه الفائض نحو صندوق لدعم التعليم العمومي سيكون إجراءً منافيًا لمبادئ المنافسة الحرة. كما رفض الوزير برادة إلزام لائحة الرسوم الخاصة بكل مؤسسة تعليمية خصوصية بموافقة قبلية من قبل الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.

هذه المواقف أثارت نقاشًا حادًا داخل مجلس النواب، حيث أكدت النائبة فاطمة التامني أن هناك “توجهًا مناقضًا لمبادئ الدولة الاجتماعية، من خلال التساهل مع المدارس الخاصة”. في حين دعت خدوج السلاسي، عضو الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، إلى أن يؤكد هذا القطاع على “مواطنته”. تظهر هذه النقاشات تباين الرؤى حول تنظيم القطاع الخاص ودوره في المنظومة التعليمية، وكيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستثمار التجاري والرسالة التربوية.

الموارد البشرية والتطوير المهني

فيما يتعلق بـ”الموارد البشرية والتكوين”، رفض الوزير مطلب إحداث هيئة وطنية مستقلة لتقييم أداء الأطر التربوية والإدارية وتطوير مساراتهم المهنية، مع ربط الترقية والتمويل بالتقييم والمردودية. هذا الرفض يثير تساؤلات حول الآليات المعتمدة حاليًا لضمان جودة الأداء وتطوير الكفاءات في القطاع التربوي.

خاتمة: مستقبل التعليم في المغرب

بالمحصلة، يمثل اعتماد مشروع القانون رقم 59.21 لحظة محورية في مسار إصلاح التعليم بالمغرب. وبينما يهدف القانون إلى تنظيم الإطار العام للتعليم المدرسي، فإن القرارات المتخذة خلال عملية المصادقة، خصوصًا تلك المتعلقة بالتمويل ودور القطاع الخاص، ستكون لها تداعيات قانون التعليم المدرسي الجديد على المدى الطويل، وستعيد تشكيل ملامح المنظومة التعليمية. إن متابعة تطبيق هذا القانون وتقييم نتائجه سيكون أمرًا بالغ الأهمية لضمان تحقيق الأهداف المرجوة وتجاوز التحديات القائمة، كما يحرص على ذلك الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.