عاجل

فيلم ‘كان يا مكان في غزة’: صرخة فنية تعيد تشكيل وعي العالم تجاه غزة

فيلم ‘كان يا مكان في غزة’: صرخة فنية تعيد تشكيل وعي العالم تجاه غزة

في خضم الأحداث المتسارعة التي تشهدها غزة، يبرز فيلم «كان يا مكان في غزة» للمخرجين طرزان وعرب ناصر كشهادة سينمائية عميقة، تتجاوز حدود الزمن لتُعيد صياغة الرواية الفلسطينية أمام العالم. هذا العمل ليس مجرد فيلم؛ بل هو محاولة جريئة لإعادة مركزية الإنسان الفلسطيني في سرده الخاص، ومقاومة لمحو الهوية والذاكرة. الفيلم يقدّم طرحاً فريداً حول دور السينما الفلسطينية وحفظ الذاكرة الغزية، خاصة في فترة ما قبل التصعيد الأخير، مُذكّراً بأن تاريخ غزة لم يبدأ في السابع من أكتوبر.

يتناول الفيلم، الذي تدور أحداثه في عام 2007، مصائر ثلاثة شخصيات رئيسية: طالب شاب، تاجر كاريزمي، وشرطي فاسد، تتقاطع حياتهم في قصة مشحونة بالعنف والانتقام والمأساة المحتومة. من خلال هذه القصص، يقدم المخرجان لمحة عن حياة كانت قائمة، عن أحلام وطموحات، وتحديات يومية لسكان غزة قبل أن تتحول إلى مجرد أرقام وأخبار عاجلة.

«كان يا مكان في غزة»: شهادة حية ضد طمس التاريخ

يؤكد المخرجان أن عملهما لا يسعى لمنافسة الألم الحي والمُوثق لحظة بلحظة عبر كاميرات الناس تحت القصف. فـالصورة الحقيقية المنقولة من غزة عن الدمار تفوق أي عمل سينمائي. دور السينما، بحسبهما، ليس استبدال الحقيقة، بل حمايتها من الضياع ومنح الذاكرة الإنسانية مساحة للمقاومة ضد النسيان. يعتبر الفيلم بمثابة أرشيف لحياة كانت مزدهرة قبل الخراب، ونافذة للعالم يرى من خلالها مشاهد محيت قبل أن تُتاح له فرصة الفهم الحقيقي.

يواجه المخرجان التصور السائد بأن تاريخ غزة يبدأ من 7 أكتوبر، متجاهلاً سنوات الحصار الطويلة والحروب المتتالية التي شكّلت حياة الناس هناك. الفيلم ليس توثيقاً للحظة الحرب، بل هو شهادة على حياة كانت موجودة، محاولاً إعادة السياق الزمني والجغرافي، وإظهار الفلسطينيين كمواطنين كاملي الوجود لا كدموع معلقة في عيون المتفرجين. هذه القيمة الجوهرية للعمل تكمن في إعادة مركزية الإنسان الفلسطيني في روايته، ومواجهة العالم بسؤال الذاكرة قبل أسئلة الدمار الثقيل.

التحديات الفنية والمالية: إبداع رغم الحصار

لم يكن إنجاز هذا الفيلم سهلاً، فقد واجه تحديات جمة، أبرزها سحب جزء كبير من التمويل، سواء من الصناديق الأوروبية أو غيرها، مما اضطر المخرجين لإنجاز الفيلم بربع الميزانية المخصصة. ورغم ذلك، أصرّا على المضي قدماً، مؤكدين أنهما كأبناء غزة، يملكان القضية ويفهمان جيداً ما يريدان قوله، ويرفضان فرض أي رؤية أخرى عليهما. هذه العزيمة تعكس الروح الفنية المقاومة التي تسعى لتوصيل الحقيقة من منظورها الخاص، بعيداً عن أي ضغوط خارجية أو محاولات لتشويه السردية.

يشير المخرجان إلى أن بعض النقاد، حتى العرب منهم، قد لا يدركون أبسط تفاصيل الحياة في غزة، كقصة الشمال والجنوب، وكيف يعيش الناس هناك فعلاً. لذلك، كان من الضروري تقديم حياة ثلاثة شباب يمثلون جيلاً كاملاً حُرم من حق الاختيار، ويعيش تحت خيارات مفروضة عليه من إسرائيل والعالم. هذه النقطة تؤكد أن الصورة الحقيقية والمعيشة تتفوق في أهميتها على أي سرد درامي، مهما كان نوعه.

دور السينما الفلسطينية وحفظ الذاكرة الغزية

في سؤال حول دور الفن في حفظ ذاكرة مكان يتعرض للمحو، يؤكد المخرجان رفضهما للتعامل مع أنفسهما كضحايا. فمع أنهم ضحايا الاحتلال وتُدمر بيوتهم وتُبيد عائلاتهم، إلا أنهم يفضلون تقديم أنفسهم كأصحاب قضية وحق وإنسانية. هنا تتجلى قوة السينما: في كشف ما لا يُعرض في الإعلام التقليدي، وفي التقاط تفاصيل قد لا يراها أحد إلا من يعيش غزة. الفيلم يرمي صورة واقعية في حضن المشاهد، ويتركه ليقرر كيف يتعامل معها، فدور الفن السابع ليس إيجاد الحلول، بل إثارة الأسئلة وتعميق الفهم.

لقد نالت السينما الفلسطينية جوائز كثيرة، لكن المخرجان يتساءلان عما تغير حقاً على الأرض. ومع ذلك، لا يزالان يؤمنان بأن من لا يستطيع رؤية الصورة الحقيقية قد يعود إلى السينما ليفهم. هذا هو الدور الحقيقي لـالسينما الفلسطينية وحفظ الذاكرة الغزية: أن تقدم لمحة قوية، وأن تكون شاهداً على زمن خربته آلة الحرب دون قصد، فمنذ بدايتهما الفنية، لم يتغير شيء في غزة بالنسبة لهما؛ لقد أنجزا أفلاماً عن الحب والشباب والحياة، ورغم ردود الفعل المتنوعة، يثقان في أعمالهما التي تكشف الكثير لمن ينظر بعمق.

ما بعد العرض: رسائل الفيلم وصمود الرواية

الفيلم بمثابة شهادة وأرشفة لحياة الناس، بصورة تتسم بالكثير من الحصرية التواصلية. المخرجان، اللذان يعرفان المكان جيداً، يقدمان صورته كما هي، دون تجميل أو مبالغة. يرفضان صورة الفلسطيني الذي يُتعامل معه كضحية تبكي على كتف العالم. يقدمان سينما لها قصة وهيكل، لكن السياسة مفروضة على كل تفاصيل الحياة في غزة، حتى في أبسط الأشياء اليومية.

  • إعادة صياغة الرواية: الفيلم يرفض الرواية التي تبدأ من 7 أكتوبر، ويُعيد غزة إلى سياقها التاريخي الممتد.
  • التحدي المالي: إنجاز الفيلم بربع الميزانية الأصلية يبرهن على الإصرار والصمود الفني.
  • القيمة الإنسانية: تقديم الفلسطيني كشخصية مكتملة الوجود، لا كمجرد ضحية.
  • الشهادة والأرشفة: الفيلم يمثل سجلاً بصرياً للحياة اليومية قبل الدمار الشامل.

على الرغم من الشكوك حول قدرة السينما على إحداث تغيير جذري في الواقع السياسي، إلا أن المخرجين يواصلان العمل لتقديم أعمال تحفظ ذاكرة الصمود الفلسطيني. قصص الناس المقهورين والمظلومين ستستمر ما دامت قضية فلسطين حية. إن الحفاظ على قوة الصورة الحقيقية الخارجة من القطاع المحاصر ثم المدمر هو أمر أخلاقي وضروري، لأنه يوثق أكثر من عقدين من الحصار، وإبادة تُعد من أشرس ما عرفه العصر الحديث. للمزيد من التغطيات الإخبارية والفنية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.