إدريس الملياني: رحلة عميقة في مفهوم الشترية وإسهاماته لتجديد القصيدة العربية
شهدت الدار البيضاء لقاءً أدبياً استثنائياً احتفى بالقامة الشعرية المرموقة، الشاعر والمترجم إدريس الملياني، الفائز بجائزة المغرب للكتاب لعام 2024 عن مجموعته «غمة الكمامة». لم يكن اللقاء مجرد استعراض لإنجازات الشاعر، بل كان محاولة جادة لفك شيفرات تجربته الأدبية والإنسانية الغنية، وخصوصاً الغوص في مفهوم الشترية في شعر إدريس الملياني، وهو المفهوم الذي شكل محوراً أساسياً في رؤيته الشعرية والنقدية.
الشترية: رؤية فلسفية لتجاوز ثنائيات الشعر والنثر
يُعدّ مفهوم «الشترية» حجر الزاوية في فكر الملياني النقدي والشعري، وقد تناول هذا المفهوم في العديد من مقالاته وبياناته. فهو يرى أن الساحة الأدبية تعاني من نزاعات مصطنعة، أبرزها الجدل المحتدم حول قصيدة النثر. يقترح الملياني حلاً جذرياً لهذه الإشكالية عبر ما يسميه «المواطنية الشترية»، التي تدعو إلى نبذ الطائفية الشعرية والنقدية السائدة، والتي تعيق التطور والإبداع.
إن جوهر هذا المفهوم يكمن في سعي قصيدة النثر للتخلص من تبعيتها للنثر، والانتماء المطلق إلى عالم الشعر، ليس كإضافة أو تابع، بل كجزء أصيل ومُكمل للقصيدة الإيقاعية، مقابلاً للشعر التفعيلي. وهذا ما يعكس رؤية الملياني الشمولية التي تسعى لدمج الأضداد وتوحيدها في نسيج شعري واحد، يتجاوز التصنيفات الجامدة.
«غمة الكمامة»: تجسيد الشترية في مواجهة الأزمات
لم تكن مجموعة «غمة الكمامة» مجرد ديوان فائز بجائزة، بل كانت تجسيداً عملياً لمفهوم الشترية في شعر إدريس الملياني. في هذا العمل، يواجه الملياني محنة الوباء (كورونا) بمنظور مختلف تماماً. فبدلاً من الانزواء أو الخوف، شرع الشاعر في عملية «شَتر» هذا العمل، وهي عملية تتطلب قراءةً معمقةً وشاملة للتوراة والإنجيل والقرآن الكريم والتراث الإنساني بأسره. هذا «الشَّتر» أو الجرح، كما يسميه، يستدعي تقوية المرجعيات عبر الحواشي، مستلهماً في ذلك إرادة وتمثُّل الفيلسوف الألماني شوبنهاور صاحب نظرية التشاؤم الميتافيزيقي. هنا، يرى الملياني أن الخواء أو الفراغ في هذه الحياة لا بد أن يُملأ بالجدل والنقاش والاقتناع المجدي والفعال، ما يؤكد عمق رؤيته الفلسفية للأدب ودوره في الوجود.
إدريس الملياني: قامة أدبية بين التأسيس والتجديد
خلال اللقاء، قُدمت ورقتان نقديتان هامتان سلطتا الضوء على جوانب مختلفة من تجربة الملياني. الأولى، للشاعر محمد علوط، أكدت على مكانة الملياني كأحد مؤسسي القصيدة المغربية الحداثية. ورغم إغفال اسمه من بعض الأنطولوجيات الشهيرة التي أرّخت لتلك المرحلة، فإن تأثيره لا يمكن إنكاره، حيث تشابهت لغته الشعرية في تلك الفترة مع لغة صديقه الراحل أحمد الجوماري. كما رصد الناقد علوط تطور بنية لغته الشعرية على مدى أربعة عقود، مبرزاً قدرته على التجديد المستمر.
أما المداخلة الثانية، للكاتب والشاعر محمد عرش، فقد ركزت على مقاربة البنية الشعرية في ديوان «غمة الكمامة»، مشدداً على الحداثة الشعرية لدى الملياني التي تتميز بـالمواكبة والمسايرة دون ادعاء أو تحقير للآخر. هذه النقطة بالذات تتقاطع مع مفهوم الشترية، حيث يرفض الملياني أي قول إبداعي لا يمر عبر محك الجدل والمناقشة، لضمان الاقتناع الجاد والفعّال.
مسيرة الملياني: أربعة عقود من العطاء الأدبي والترجمة
يمتلك الشاعر إدريس الملياني، الذي نال جائزة المغرب للكتاب (صنف الشعر) مرتين، مسيرة أدبية حافلة امتدت لأكثر من أربعة عقود. تنوع إنتاجه بين الشعر والرواية والترجمة، وأغنى المكتبة العربية بأعمال قيمة. من أبرز مجموعاته الشعرية نذكر:
- «أشعار للناس الطيبين»
- «في ضيافة الحريق»
- «زهرة الثلج»
- «أعراس الميادين»
- «نشيد السمندل»
- «بملء الصوت»
وفي عالم الرواية، قدم أعمالاً مثل: «كازانفا»، «ماتريوشكات (عرائس روسية)»، «محكيات فتاة الثلج»، و«الدار الحمراء».
كما اشتهر بترجماته لأعمال عمالقة الأدب الروسي، مثل فيودور دوستويفسكي (مذكرات من البيت الميت، حلم رجل مضحك، الليالي البيضاء)، وبوشكين (التراجيديات الصغرى)، بالإضافة إلى سير أدبية هامة لبوريس باسترناك ويفغيني يفتشنكو. هذه الخلفية الغنية بالترجمة والاطلاع على ثقافات مختلفة أثرت بلا شك في رؤيته، وساهمت في تشكيل مفهوم الشترية في شعر إدريس الملياني.
تُرجمت بعض أشعاره إلى الفرنسية والإسبانية والروسية، وشارك في العديد من المهرجانات والمؤتمرات السياسية والثقافية، مما جعله صوتاً أدبياً عالمياً بامتياز. ليبقى إدريس الملياني رمزاً للتجديد الأدبي، ومثالاً للشاعر الذي لا يكتفي بالإبداع، بل يسعى لتأصيل رؤى نقدية وفلسفية تفتح آفاقاً جديدة للشعر العربي. تابعوا آخر المستجدات الأدبية والثقافية عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك