شهدت مدينة تاونات المغربية، المعروفة بجمال طبيعتها وثرائها الثقافي، فعاليات استثنائية ضمن النسخة الأولى لمهرجان تاونات للشعر المغربي. هذا الحدث البارز لم يكن مجرد ملتقى للشعراء، بل تحول إلى منارة أدبية أضاءت سماء الإقليم، مكرسة بالكامل للاحتفاء بالشاعر إدريس الجاي بتاونات، تكريمًا لإرثه العظيم ومساهماته الجليلة في المشهد الثقافي المغربي. لقد جاء المهرجان ليؤكد على أن الذاكرة الثقافية لا تموت، وأن العمالقة من أمثال الجاي يستمرون في إلهام الأجيال.
إرثٌ شعري يتجدد: جلسات افتتاحية وشهادات مؤثرة
انطلقت فعاليات المهرجان بجلسة افتتاحية مهيبة، عكست مدى تقدير المنظمين والجمهور للقامة الشعرية التي يُحتفى بها. توالت الكلمات الرسمية التي رسمت صورة متكاملة عن الشاعر الراحل، بدايةً من السيد إدريس الوالي، رئيس “منتدى كفاءات إقليم تاونات”، الذي أكد على دور المنتدى في صون الذاكرة الثقافية المحلية والوطنية. وتلاه السيد مراد القادري، رئيس “بيت الشعر بالمغرب”، الذي ألقى الضوء على مكانة الجاي في خارطة الشعر المغربي الحديث. كما كان للمهرجان صدى وزاري من خلال كلمة السيد فؤاد المهداوي، المدير الجهوي لقطاع الثقافة بجهة فاس-مكناس، الذي ناب عن وزير الثقافة والشباب والتواصل، مشددًا على أهمية مثل هذه المبادرات في إثراء الحياة الثقافية. ولم تقتصر الجلسة على الكلمات المباشرة، بل تخللتها شهادات مرئية مؤثرة، أبرزها شهادة السيد إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية، وكلمة مؤثرة ألقاها نجيب الزروالي، وريث الوزير والسفير السابق، قدمت لمحات عميقة عن شخصية الجاي وإسهاماته. لقد كانت هذه الشهادات بمثابة جسر يربط الأجيال الحاضرة بتجربة رائد من رواد الشعر المغربي.
تكريم الأجيال الصاعدة وتوثيق المسار الإذاعي
لم يغفل المهرجان عن دور الجاي في رعاية المواهب الشابة، وهو ما تجلى بوضوح في برنامج “ناشئة الأدب” الذي اشتهر به الراحل. فقد شهدت الجلسة الأولى، التي أدارها الإعلامي القدير امحمد البوكيلي، مشاركة لافتة من سمير الجاي، ابن الشاعر الراحل، الذي جاء خصيصًا من فرنسا. كلمته بالعربية الفصحى، والتي ألقاها بشغف رغم عدم إتقانه التام للغة، كانت بمثابة لمسة وفاء حارة، أثرت في قلوب الحاضرين. كما عُرضت شهادات تاريخية مسجلة من أرشيف التلفزة المغربية، توثق للمسار الإذاعي الثري للشاعر، إلى جانب شهادات لزملاء عملوا معه عن كثب، منهم محمد الغرملي ومحمد قروق. وتوجت هذه الالتفاتة بتوزيع جوائز إدريس الجاي الشعرية للناشئة، حيث فازت هند العيان من تاونات بالجائزة الأولى، وإسماعيل أيت إدار من إقليم الحوز بالثانية، بينما عادت الجائزة الثالثة لهالة بوطلاقة من تاونات، في دليل على استمرارية الإبداع الشعري بالمغرب.
ورشات فنية وندوات نقدية: عمق ثقافي وفكري
لم يقتصر المهرجان على التكريم والاحتفاء، بل امتد ليقدم قيمة مضافة للجمهور، خاصة الأجيال الصاعدة. ففي صباح اليوم الثاني، استفاد تلاميذ مؤسسة التفتح للتربية والتعليم من ورشة شعرية تعليمية قيمة، أطرتها الشاعرة المتألقة علية الإدريسي البوزيدي، مما يبرز التزام المهرجان بتعزيز الثقافة الشعرية لدى الشباب. أما الجلسة المسائية فقد خُصصت لتقديم شهادات أخرى في حق الشاعر الراحل، أدلى بها الأديب والكاتب سليم الجاي، المقيم في باريس، والصحفي أحمد قروق، صديق وزميل المرحوم، والإعلامي والمخرج محمد الغرملي. هذه الشهادات قدمت رؤى متعددة الأبعاد عن شخصية الجاي وعطائه. كما أُقيمت أمسية شعرية بهيجة شارك فيها كوكبة من الشعراء مثل مراد القادري ومحمد بشكار وعبد الرحيم الخصار، بتسيير الشاعرة نبيلة حماني.
وفي صباح اليوم الثالث، انعقدت ندوة علمية معمقة حول ديوان “السوانح” للراحل إدريس الجاي، قدم خلالها نخبة من النقاد رؤاهم حول هذا العمل الأدبي الهام. شارك في الندوة محمد يعيش وسعيد بكور ومحمد السعيدي ونصر الدين شردال وأحمد بلخير، وأدارها الشاعر والناقد إبراهيم الديب، مما أثرى النقاش حول أعمال الجاي الأدبية. هذه الندوات تعكس الاحتفاء بالشاعر إدريس الجاي بتاونات من منظور أكاديمي ونقدي، مؤكدة على قيمته الأدبية الخالدة.
لقاءات رسمية وأمسيات جبلية ساحرة
تجاوز المهرجان حدود القاعات المغلقة ليصل إلى قلب الطبيعة الساحرة لتاونات. ففي مخيم جبل “واد يفران” السياحي، الذي يطل على سد “ساهلة” الخلاب، التقى المشاركون بعامل إقليم تاونات، السيد عبد الكريم الغنامي، الذي نوّه بهذه المبادرة الثقافية ورحّب بالضيوف الكرام، مؤكدًا على دعم السلطات لمثل هذه الفعاليات التي تعزز إشعاع الإقليم. وبعد وجبة الغداء التي تخللتها فقرات من الطقطوقة الجبلية الأصيلة بقيادة الفنان عزيز الزوهري، انطلقت الأمسية الشعرية الثانية بمشاركة كوكبة من الشعراء والشاعرات، منهم مليكة العاصمي وأمينة المريني ونجيب خداري، بتسيير الإعلامي عبد السلام الزروالي الحايكي. واختتمت الفقرة الأخيرة، التي أدارتها الفنانة والمخرجة نجاة الوافي، بتكريمات مستحقة لعمالقة الشعر المغربي أمثال مليكة العاصمي وأحمد مفدي ومحمد علي الرباوي.
على الرغم من أن الأمطار الغزيرة حالت دون زيارة مسقط رأس الشاعر في كالاز، إلا أن روح المهرجان ظلت متوهجة، مؤكدة على أن ذكرى إدريس الجاي وإرثه الشعري سيظلان يرفرفان في سماء تاونات وفي قلوب محبي الشعر. هذا المهرجان لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان تأكيدًا على حيوية المشهد الثقافي المغربي وقدرته على الاحتفاء بالشاعر إدريس الجاي بتاونات وبغيره من الرموز الأدبية. للمزيد من التغطيات الثقافية والأخبار الحصرية، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك