التحول الإداري: إرساء أسس متينة لإدارة عمومية فعالة
في سياق الإصلاحات الهيكلية التي تعرفها الإدارة المغربية، وتفعيلاً للقانون رقم 14-25، أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية توجيهات واضحة بشأن عملية شروط نقل موظفي الخزينة العامة. تهدف هذه المبادرة إلى مواكبة ورش الجهوية المتقدمة وتحديث آليات الحكامة الترابية، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على حقوق الموظفين المكتسبة وتوفير مسارات مهنية محفزة. تعكس هذه الخطوة التزام الوزارة بضمان انتقال سلس وفعال، يراعي التطلعات الفردية للموظفين ويضمن استمرارية الخدمات العمومية بجودة عالية.
وجهت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، مراسلة هامة إلى نور الدين بنسودة، خازن المملكة، لتسليط الضوء على الأبعاد الرئيسية لهذه العملية. وأكدت المراسلة أن المبادئ الأساسية التي تحكم هذا التنقل هي التطوع التام، الذي يعبر عنه الموظف بحرية، والحفاظ على جميع المكتسبات والحقوق. هذا التأكيد يأتي لتبديد أي مخاوف محتملة وضمان بيئة عمل مستقرة ومحفزة خلال هذه الفترة الانتقالية الحاسمة.
مسارات متعددة لضمان انتقال مرن ومحفز
لضمان مرونة أكبر وتلبية لاحتياجات وتطلعات الموظفين المختلفة، اقترحت الوزارة ثلاث صيغ رئيسية لتنقل الأطر العاملة بالخزينة العامة للمملكة. هذه الصيغ تتيح لكل موظف اختيار المسار الذي يتناسب مع ظروفه المهنية والشخصية، مما يعزز من شعور الانتماء والمشاركة في هذا التحول الوطني:
- الوضع رهن الإشارة (Mise à disposition): يتيح للموظف العمل في هياكل جديدة مع الحفاظ على وضعه الأصلي داخل الخزينة العامة.
- الإلحاق (Détachement): يسمح للموظف بالانتقال للعمل في إدارة أخرى (كالجماعات الترابية) مع إمكانية العودة إلى إدارته الأصلية.
- الإدماج في نظام موظفي وزارة الداخلية: خيار يتيح للموظف الاندماج بشكل كامل في الهياكل الإدارية المحلية التابعة لوزارة الداخلية، مما يفتح آفاقاً جديدة للترقية المهنية والتطور الوظيفي.
شددت الوزارة على أن هذه العملية لا تشكل مجرد تغيير إداري، بل هي «وعد بالتطور المهني، وتوسيع الكفاءات، والاندماج في إدارة محلية متجددة، تحمل فرصاً للترقية المهنية والتقدير». ولتحقيق ذلك، تم اتخاذ إجراءات ميزانية مهمة في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2026 لضمان الحفاظ على هذه المكتسبات المالية والوظيفية.
تأهيل الكفاءات وتحديث البنية التحتية
تتزامن عملية نقل الموظفين مع جهود مكثفة لتأهيل البنية التحتية وتكوين الكفاءات. فقد انطلقت عملية تعيين القابضين الجماعيين الجدد، الذين سيضمنون تسيير هذه الهياكل المستحدثة. في الوقت ذاته، يستفيد موظفو الجماعات الترابية المراد إلحاقهم بهذه القباضات من برامج تكوينية متخصصة وهادفة، ترمي إلى تزويدهم بالمهارات التقنية اللازمة لتدبير التحصيل المالي بكفاءة وفعالية.
بالموازاة مع ذلك، تجري عمليات تحويل وتهيئة الأماكن المخصصة لإيواء هذه القباضات الجماعية، لضمان توفير بيئة عمل وظيفية ومطابقة للمعايير التشغيلية الحديثة. هذا الاستثمار في البنية التحتية يعكس رؤية الوزارة لبناء إدارة قرب حديثة وناجعة، قادرة على تلبية متطلبات المواطنين والجماعات الترابية.
معالجة التحديات وضمان سلاسة الانتقال
لم يغفل التوجيه الوزاري الجوانب المتعلقة بالموظفين غير المعنيين بعملية التنقل المباشر. فقد دعت المراسلة إلى ضرورة العمل على إعادة انتشار هؤلاء الموظفين وإعادة تأهيلهم نحو مهن استراتيجية أخرى، سواء داخل الخزينة العامة للمملكة أو في المديريات الأخرى التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية. هذا النهج يضمن الاستفادة القصوى من الكفاءات الوطنية وتوجيهها نحو الأولويات التنموية.
كما أكدت المراسلة على ضرورة الشروع الفوري في عملية تسليم المهام بين قابضي الخزينة العامة والقابضين الجماعيين الجدد، وفقاً للإجراءات المعمول بها وتحت الإشراف المباشر للمحاسبين الملحقين. وتم إيلاء اهتمام خاص لمخاطر تقادم بعض مستحقات الجماعات الترابية، مما يستدعي يقظة وتنسيقاً محكماً لضمان عدم ضياع هذه المستحقات. سيواصل المحاسبون الملحقون دورهم المحوري في التنسيق المحاسبي بين القباضات الجماعية والمحاسبين المكلفين بميزانيات الجماعات الترابية، لضمان تنفيذ سليم للعمليات المحاسبية وتوفير معلومات مالية دقيقة وشفافة.
الرؤية المستقبلية: إدارة قرب متجددة
يشكل إحداث اثنتين وتسعين (92) قباضة جماعية خطوة أولى ومحورية في بناء شبكة محاسبية ترابية جديدة. هذه الشبكة تأتي لتعزيز الجهود الرامية إلى تحقيق الجهوية المتقدمة التي كرسها دستور 2011 ودعمتها الخطابات الملكية السامية. تهدف هذه المبادرة إلى بناء إدارة للقرب تتسم بالفعالية والنجاعة، قادرة على التجاوب السريع مع المتطلبات المتزايدة للجماعات الترابية والمواطنين.
تؤكد هذه الإصلاحات على التزام المغرب بتحديث هياكله الإدارية والمالية، بما يتماشى مع أفضل الممارسات الدولية ومع مبادئ الحكامة الجيدة. من خلال إرساء شروط نقل موظفي الخزينة العامة التي تراعي البعد الإنساني والمهني، تسعى وزارة الاقتصاد والمالية إلى تحقيق انتقال سلس وناجح يسهم في تعزيز التنمية الشاملة للمملكة. للمزيد من الأخبار والتحليلات حول الإصلاحات الإدارية والاقتصادية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك