شهدت مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية مؤخراً خطوة قانونية غير مسبوقة، حيث باشرت إجراءات قضائية ضد شركة عملاقة بحجم “كوكا كولا” وتسع شركات غذائية كبرى أخرى. تتركز الدعوى حول اتهامات بـ”هندسة” أغذية فائقة المعالجة ومسببة للإدمان، والتي ساهمت بشكل مباشر في تفاقم أزمة صحة عامة متنامية، مع تركيز خاص على تداعياتها السلبية على المجتمعات ذات الدخل المحدود والأقليات. هذه القضية تسلط الضوء بقوة على ممارسات استهداف الشركات الغذائية للأطفال والفئات محدودة الدخل، وكيف يمكن لهذه الممارسات أن تشكل خطراً صحياً واقتصادياً جسيماً.
رفع المدعي العام للمدينة، تشيو، الدعوى في الثاني من ديسمبر الجاري أمام المحكمة العليا لسان فرانسيسكو، متهماً هذه التكتلات الغذائية بتصميم منتجاتها لتكون مدمنة، مما يؤدي إلى عواقب صحية وخيمة. إلى جانب “كوكا كولا”، شملت الدعوى شركات بارزة مثل “كرافت هاينز”، “مونديليز إنترناشيونال”، “بيبسيكو”، “جنرال ميلز”، “نستله” الولايات المتحدة، “كيلوغ”، “مارس إنكوربوريتد”، “بوست هولدينغز” و”كوناغرا براندز”.
اتهامات بـ”هندسة” الإدمان واستهداف الفئات الضعيفة
تمثل هذه المقاضاة سابقة تاريخية، كونها المرة الأولى التي تتخذ فيها جهة حكومية إجراءات قانونية ضد شركات غذائية بسبب الآثار الصحية السلبية لمنتجاتها فائقة المعالجة. وأوضح تشيو في بيان رسمي أن “الطعام قد تحول إلى شيء غير قابل للتعرف عليه ومضر بجسم الإنسان، حيث هندست هذه الشركات أزمة صحة عامة، وحققت منها أرباحاً طائلة، وعليها الآن تحمل مسؤولية الأضرار التي تسببت فيها”.
تشير وثائق الدعوى إلى أن هذه الشركات لم تكتفِ بتصنيع هذه المنتجات، بل اعتمدت حملات ترويجية مدروسة ومتكاملة، تستخدم شخصيات كرتونية محبوبة مثل “توني النمر”، وبالتعاون مع عمالقة الترفيه مثل “ديزني” و”نيكلوديون” و”ماتيل” و”مارفل”، بهدف الوصول إلى جمهور الأطفال بشكل مكثف. هذه الاستراتيجيات الدعائية المصممة بعناية تؤكد على استهداف الشركات الغذائية للأطفال والفئات محدودة الدخل كجزء أساسي من نموذج أعمالها.
استراتيجيات استهداف الشركات الغذائية للأطفال والفئات محدودة الدخل
كشفت الدعوى عن تفاصيل مقلقة حول كيفية استهداف الشركات لشرائح المجتمع الأكثر ضعفاً. فعلى سبيل المثال، أشارت إلى “فريق مهام الأطفال” لدى شركة “كرافت”، الذي زعم أن جهوده الترويجية ستصل إلى نحو 95 بالمائة من الأطفال ضمن الفئة العمرية المستهدفة من 6 إلى 12 عاماً في الولايات المتحدة. ولم يقتصر الأمر على الأطفال بشكل عام، بل أظهرت الدعوى أن الأطفال من أصول سوداء ولاتينية تعرضوا لإعلانات الأغذية فائقة المعالجة بنسبة تفوق نظرائهم البيض بنحو 70 بالمائة، مما يبرز بعداً عنصرياً في الاستهداف الترويجي.
من أبرز التكتيكات التسويقية التي كشفت عنها الدعوى:
- الشخصيات الكرتونية والعروض الترويجية: استخدام أبطال الرسوم المتحركة وشخصيات الأفلام لجذب الأطفال إلى المنتجات السكرية والدهنية.
- الشراكات مع شركات الترفيه: التعاون مع منصات ومؤسسات ترفيهية لضمان أوسع انتشار ممكن للإعلانات الموجهة للأطفال.
- التسعير والتوزيع: توفير المنتجات فائقة المعالجة بأسعار منخفضة وفي متاجر سهلة الوصول في المجتمعات ذات الدخل المحدود.
- الإعلانات المستهدفة: توجيه إعلانات مكثفة عبر وسائل الإعلام والقنوات التي يرتادها أفراد الفئات الأقل دخلاً والأقليات.
التداعيات الصحية والاقتصادية على المجتمعات الضعيفة
تأتي هذه الممارسات بنتائج صحية كارثية. فوفقاً لملف المدعي العام، تضاعف انتشار داء السكري بين الأمريكيين السود أربع مرات خلال العقود الثلاثة الماضية. وفي سان فرانسيسكو وحدها، تراوحت معدلات الاستشفاء بسبب السكري بين ثلاثة أضعاف وستة أضعاف في المجتمعات السوداء مقارنة بمجموعات عرقية أخرى، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الوفيات. هذه الأرقام تسلط الضوء على الضرر غير المتكافئ الذي تلحقه الأغذية فائقة المعالجة بالمجتمعات محدودة الدخل والمجتمعات الملونة، كما أشار دانيال تساي، مدير الصحة في سان فرانسيسكو، الذي أكد أن هذه المنتجات تساهم في ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان.
على الصعيد الاقتصادي، أدت هذه المنتجات إلى “التلاعب بالاختيارات” بدلاً من تركها للصدفة، حيث تتكون نحو 70 بالمائة من الإمدادات الغذائية في الولايات المتحدة اليوم من منتجات فائقة المعالجة. ورغم التنوع الظاهري في رفوف المتاجر، دفعت الدعوى بأن المستهلكين “يختارون فعلياً بين تركيبات مختلفة من المواد الكيميائية” تنتجها حفنة من الشركات. ويدعم هذا تقرير لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) نُشر خلال أغسطس الماضي، والذي أظهر أن أكثر من نصف الغذاء اليومي الذي يستهلكه الناس يأتي من أصناف شديدة المعالجة، مع اعتماد أكبر عليها لدى ذوي الدخل المنخفض.
مستقبل القضايا القانونية وحماية المستهلكين
خطوة سان فرانسيسكو الجريئة تستهدف كبريات شركات الغذاء، مسلطةً الضوء على تعمدها تصميم منتجات مفرطة المعالجة ومسببة للإدمان، والتي تضرب الأحياء الهشة بأقسى الأضرار. من المتوقع أن تمهد هذه القضية الطريق أمام مدن أخرى لمقاضاة شركات الغذاء بدعاوى تتعلق بالإعلان المضلل، أو التعويض عن الأضرار، أو فرض غرامات. وتتمحور هذه الجهود حول الارتفاع المتزايد في التكاليف الطبية المرتبطة بوصفات متلاعب بها وتسويق خادع، لا سيما عندما يستهدف الأطفال وذوي الدخل المحدود.
إذا كتب النجاح لهذا الإجراء القانوني، فقد يوفر حماية أكبر للأسر، خصوصاً الأقل موارد ولذوي البشرة الملونة، من ممارسات تجارية مدفوعة بالربح تُقدم العائدات على حساب الصحة العامة. هذه القضية تشكل نقطة تحول محتملة في طريقة تنظيم صناعة الأغذية وتأثيرها على الصحة العامة، وتدعو إلى مراجعة شاملة لسياسات الأغذية فائقة المعالجة واللوائح المتعلقة بالتسويق الموجه للفئات الضعيفة. للمزيد من الأخبار والتحليلات، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك