مقدمة: الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي وتحسين الخدمات العمومية
في قلب الإصلاحات الهيكلية التي يشهدها المشهد الاقتصادي والاجتماعي بالمغرب، تبرز الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية كفاعل محوري. أكد المدير العام للوكالة، السيد عبد اللطيف زغنون، في حوار حصري، على أن دور هذه الهيئة لا يقتصر على مجرد الإشراف المالي، بل يمتد ليشمل توجيه الاستثمار العمومي نحو تحقيق أثر ملموس في جودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، والارتقاء بأداء الفاعلين العموميين. هذه المقاربة الشمولية تمثل تحولاً استراتيجياً نحو تدبير فعال ومسؤول للمال العام، يضع مصلحة المواطن في صلب الأهداف التنموية.
تحول استراتيجي في إدارة مساهمات الدولة
لطالما كانت مساهمات الدولة تُدار بمنطق يركز على التملك المالي، إلا أن السياسة المساهماتية الجديدة، التي صادق عليها المجلس الوزاري في فاتح يونيو 2024، دشنت عهداً جديداً. لم تعد الدولة مجرد مالك، بل مساهم استراتيجي نشط يتدخل لتوجيه الاستثمارات وتحديد أدوار المؤسسات العمومية، مع التركيز على الحكامة الرشيدة وهندسة التمويل المبتكرة. هذا التوجه يهدف إلى تحويل الاستثمار العمومي إلى خدمات ذات قيمة مضافة عالية في قطاعات حيوية مثل الماء، الكهرباء، النقل، والخدمات الرقمية.
تتمحور تدخلات الوكالة حول عدة أسس رئيسية، منها:
- تحسين حكامة الفاعلين العموميين: من خلال الفصل الواضح بين الأدوار الاستراتيجية للدولة ودورها كمساهم، وتعزيز دور الأجهزة التداولية، وترسيخ اتخاذ القرار المبني على معطيات دقيقة ومؤشرات أداء واضحة.
- ربط الاستثمار بالأهداف التشغيلية: عبر عقود برامج ومذكرات تفاهم متعددة السنوات تتضمن مؤشرات أداء دقيقة تتعلق بالولوج إلى الخدمات وجودتها واستمراريتها وتكلفتها، بالإضافة إلى مؤشرات الأثر الملموس على حياة المواطنين.
- المواكبة الاستراتيجية: حضور الوكالة داخل أجهزة الحكامة يضمن إدراج قضايا جودة الخدمة العمومية ضمن جداول الأعمال، وتتبعها بانتظام لرصد الاختلالات واقتراح التدابير التصحيحية.
تعزيز العدالة المجالية وخلق فرص الشغل المستدامة
تعد العدالة المجالية أحد الركائز الأساسية للسياسة المساهماتية للدولة. فالاستثمار العمومي موجه بشكل خاص نحو المناطق المتوسطة والنائية، التي لا تستفيد بالقدر الكافي من الاستثمار الخاص. الهدف هنا يتجاوز خلق فرص عمل مؤقتة مرتبطة بأوراش المشاريع، ليصل إلى إرساء أسس اقتصادية مهيكلة قادرة على توفير فرص شغل دائمة، قيمة مضافة محلية، واستقرار اقتصادي واجتماعي على المدى البعيد.
من الأمثلة البارزة على هذه المشاريع الهيكلية التي تعكس هذا التوجه:
- ميناء الناظور المتوسط: الذي يُتوقع أن يُحدث طفرة سوسيو-اقتصادية بجهة الشرق، ويجذب استثمارات خارجية بفضل ربطه الطرقي والسككي.
- برامج السكك الحديدية والطرق السيارة والمطارات: مثل تمديد خط القطار فائق السرعة وبرامج شبكة النقل السريع، التي تهدف إلى تقوية الربط بين الجهات وتسهيل تنقل المواطنين، مما يعزز جاذبية الأقاليم للاستثمار.
- دعم الإدماج المالي والخدمات الإعلامية: عبر عمليات مبتكرة لتثمين الأصول لمجموعة بريد المغرب وفروعها، ودعم شركة “صورياد” لتعزيز عروضها الإعلامية على الصعيد الوطني.
أسواق الرساميل كرافعة للتمويل المبتكر
تدرك الوكالة أهمية تنويع مصادر التمويل لتخفيف الضغط على الميزانية العامة وتسريع إنجاز المشاريع الكبرى. في هذا الصدد، يشكل سوق الرساميل فرصة تمويلية سانحة، وهو ما تجسد في الاتفاقية الموقعة مع الهيئة المغربية لسوق الرساميل. تهدف هذه الاتفاقية إلى تسهيل ولوج المؤسسات والمقاولات العمومية إلى آليات تمويلية مبتكرة مثل:
- التسنيد: لتعبئة الموارد القائمة على التدفقات المستقبلية المستقرة.
- هيئات التوظيف الجماعي العقاري: لتمويل وتثمين الرصيد العقاري العمومي.
- سندات الدين الموضوعاتية: كالسندات الخضراء للمشاريع ذات الأثر البيئي، والسندات الاجتماعية للمشاريع ذات المنفعة الاجتماعية والترابية القوية.
هذا التوجه يربط الاستراتيجية المساهماتية بالحكامة وبتمويل السوق، ويعزز استقلالية المؤسسات مع الحفاظ على توازناتها المالية.
الأطر القانونية والحكامة والشفافية
يشكل الإطار القانوني والتنظيمي، المكون من القانون 82.20 والقانون-الإطار 50.21، القاعدة الأساسية لتعزيز الحكامة والشفافية. يلزم هذا الإطار الوكالة بإعداد وتنزيل السياسة المساهماتية للدولة (PAE)، ويوفر مرجعاً موحداً لتدبير المحفظة العمومية وتوجيه الاستثمار. كما يمنح الوكالة الشرعية لتمثيل الدولة المساهمة داخل مجالس ولجان 57 مؤسسة ومقاولة عمومية، مما يمكنها من التدخل في مستويات القرار الاستراتيجية وضمان احترام قواعد الحكامة الرشيدة.
للمزيد من المعلومات حول مفهوم الحكامة، يمكن زيارة صفحة الحكامة على ويكيبيديا.
أطلقت الوكالة أيضاً علامة التميز “جيد” للارتقاء بحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، بالإضافة إلى برامج تكوين رفيعة المستوى لأطرها وأطر المؤسسات العمومية. ومن زاوية الشفافية، تلتزم الوكالة بإصدار تقرير سنوي حول أداء الدولة المساهمة وحسابات مجمَّعة للمحفظة وفقاً للمعايير المحاسبية الدولية، مما يعزز ثقة المواطنين في تدبير المال العام.
قياس النجاعة الشاملة: ما بعد الأرقام المالية
لم يعد تتبع أداء محفظة الدولة المساهمة يقتصر على المؤشرات المحاسبية التقليدية. بل تعتمد الوكالة اليوم مقاربة شمولية لقياس النجاعة، تستند إلى منظومة متكاملة من المؤشرات المالية وغير المالية، توازن بين تحقيق المردودية، ضمان الاستدامة المالية، والالتزام بمهام المصلحة العامة. هذه المنظومة، التي أطلقت في أكتوبر 2024، تقيم الأداء عبر ثلاثة مستويات:
- الأداء المالي: مؤشرات المردودية، السيولة، المديونية، ومتانة النماذج الاقتصادية.
- الأداء التشغيلي: قياس النجاعة، جودة الخدمات، والإنتاجية.
- الأداء غير المالي: مؤشرات الأثر الاقتصادي، الاجتماعي، والبيئي، بالإضافة إلى تقييم ممارسات الحكامة وتدبير المخاطر (ESG).
تساهم هذه المنظومة في توفير رؤية شمولية ودينامية لأداء المؤسسات، وتحديد مكامن القوة ومجالات التحسين، وتوجيه الاستثمارات المستقبلية بفعالية.
المواطن في صلب الأثر: ثقة في تدبير المال العام
قد تبدو مفاهيم الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي وتحسين الخدمات العمومية تقنية ومعقدة، لكن أثرها حاضر بشكل مباشر في حياة المواطن اليومية. عندما يصل الماء الصالح للشرب إلى قرية نائية، أو تتوفر الكهرباء لمعظم الأسر في العالم القروي، أو يستفيد المواطن من خدمات نقل عمومي متطورة، فإن كل ذلك هو ثمرة استثمارات عمومية تنفذها مؤسسات تابعة لمحفظة الدولة وتواكبها الوكالة.
تهدف الدولة، بصفتها مساهماً مسؤولاً، إلى ضمان نماذج اقتصادية مستدامة لهذه الهيئات لكي تواصل الاستثمار في الشبكات والخدمات الأساسية، مع الحفاظ على تعرفة منصفة وتقليص الفوارق بين الجهات. من خلال الشفافية التي توفرها التقارير السنوية والمعلومات المتاحة عبر المنصات الرقمية للوكالة، بالتعاون مع هيئات رقابية مستقلة، يتكون لدى المواطن إحساس بأن المال العام يُستثمر وفق قواعد واضحة للحكامة والمساءلة، خدمة للتنمية الشاملة وجودة العيش.
للمزيد من الأخبار والتحليلات حول قضايا الاقتصاد والتنمية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
خاتمة
إن الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية لا تضطلع فقط بدور إداري، بل تتجسد كقاطرة للتغيير الهيكلي الذي يهدف إلى تجويد الخدمات العمومية، تحقيق العدالة المجالية، وتوطيد أركان التنمية المستدامة. من خلال استراتيجية واضحة، حكامة فعالة، وتمويل مبتكر، تعمل الوكالة على بناء مستقبل أفضل للمواطنين، حيث يُترجم كل استثمار عمومي إلى قيمة مضافة ملموسة تعزز الثقة في دور الدولة كفاعل تنموي محوري.
التعليقات (0)
اترك تعليقك