مع إعلان وزارة الداخلية عن انقضاء الأجل الاستدراكي للقيد في اللوائح الانتخابية العامة، والذي امتد من الثامن عشر إلى الرابع والعشرين من يناير الجاري، يتجدد الجدل في الساحة السياسية المغربية حول عمق ظاهرة العزوف عن المشاركة الانتخابية. هذه “النوافذ الزمنية” المخصصة للتسجيل، وإن كانت ضرورية إجرائياً، إلا أنها غالباً ما تفشل في معالجة الأسباب الجذرية لانحسار الاهتمام السياسي، مما يدفعنا للتساؤل بجدية عن **أسباب العزوف السياسي في المغرب** وكيف يمكن تجاوزها.
العزوف ليس تقنياً: فهم عميق لظاهرة **أسباب العزوف السياسي في المغرب**
يرى العديد من الخبراء أن العزوف الانتخابي في المغرب ليس مجرد مشكلة تقنية تتعلق بعمليات التسجيل، بل هو في جوهره “سلوك عقلاني” يعكس مدى ثقة المواطن في قدرة صناديق الاقتراع على إحداث تغيير حقيقي وملموس في واقعه اليومي. يشير الأستاذ حفيظ اليونسي، المتخصص في العلوم السياسية، إلى أن الإجراء الحالي يعتمد على “منطق الطلب” وليس التسجيل التلقائي المرتبط ببطاقة التعريف الوطنية، وهو ما قد يقلل من فعالية العملية برمتها. فغياب نظام التسجيل التلقائي، والذي تعتمده العديد من الديمقراطيات المتقدمة، يضيف عبئاً إدارياً على المواطنين قد لا يرى الكثير منهم جدوى منه.
كما يبرز ضعف انخراط الفاعلين الأساسيين كالأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني ووسائل الإعلام في حملات تحسيسية واسعة خلال فترات التسجيل، كعامل مؤثر في تدني أعداد المسجلين. فالمشاركة السياسية الفاعلة تتطلب جهداً جماعياً لتوعية المواطنين بأهمية دورهم وأثر صوتهم.
فجوة الثقة: المحرك الخفي لغياب المشاركة
يؤكد رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات، أن انتهاء آجال التسجيل يعمل كآلية تنظيمية للزمن الانتخابي أكثر منه محفزاً للمشاركة. فالمسألة تتجاوز الضبط الإجرائي إلى معالجة محددات السلوك الانتخابي العميقة. العزوف هنا يعتبر ظاهرة بنيوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـإدراك المواطنين لمعنى التصويت وجدواه، وبمستوى الثقة في الفاعلين والمؤسسات السياسية. عندما تضعف الروابط بين الاختيار الانتخابي والنتائج السياسية الملموسة على أرض الواقع، يتحول فعل التسجيل بحد ذاته إلى عمل بلا معنى سياسي واضح في نظر الكثيرين.
إن غياب الشفافية، وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة، واستمرار الوجوه السياسية نفسها التي لا تقدم حلولاً مبتكرة، عوامل تساهم في تعميق هذه الفجوة. المواطن، وخاصة الشباب، بات يرى أن العملية الانتخابية قد لا تكون القناة الأنسب لتحقيق تطلعاته وطموحاته في التغيير. هذه النظرة السلبية تتغذى على التجارب السابقة التي لم تشهد تحولات جذرية في جودة الحياة أو في كفاءة الإدارة العمومية.
نحو تجاوز العزوف: بناء معنى جديد للمشاركة
للتغلب على **أسباب العزوف السياسي في المغرب**، يرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في الإجراءات التقنية أو تمديد الآجال، بل يتطلب إعادة بناء المعنى السياسي للمشاركة. وهذا يقتضي عدة محاور أساسية:
- تجديد العرض السياسي: يجب على الأحزاب السياسية أن تجدد هياكلها الداخلية ونخبها، وأن تقدم برامج واضحة وواقعية تستجيب لتطلعات المواطنين، لا مجرد شعارات انتخابية موسمية.
- ربط التصويت بالنتائج والمحاسبة: يجب أن يشعر المواطن بأن صوته يؤثر فعلاً في اتخاذ القرار العمومي، وأن المنتخبين مسؤولون ومحاسبون عن الوعود التي يقطعونها. هذا يتطلب تعزيز آليات الرقابة والمساءلة.
- تعزيز التربية المدنية المستمرة: لا تقتصر التوعية بأهمية المشاركة على الفترات الانتخابية، بل يجب أن تكون عملية مستمرة تبدأ من المدارس، وتستمر عبر وسائل الإعلام والمجتمع المدني، لترسيخ ثقافة المواطنة الفاعلة.
- تخفيض كلفة المشاركة: تبسيط إجراءات التسجيل والتصويت، واعتماد أنظمة أكثر مرونة (كالتسجيل التلقائي)، يمكن أن يشجع فئات أوسع على الانخراط.
- إشراك المواطنين بين الاستحقاقات: يجب أن يكون هناك تواصل وتفاعل مستمر بين المؤسسات والمواطنين ليس فقط خلال الحملات الانتخابية، بل على مدار الولاية الانتخابية، للاستماع إلى همومهم ومقترحاتهم.
في الختام، إن ظاهرة العزوف السياسي في المغرب، كما في العديد من الديمقراطيات حول العالم، هي مؤشر على تحديات أعمق في العلاقة بين المواطن والدولة. تجاوز هذه الظاهرة لا يمكن أن يتم بمعالجات سطحية، بل يتطلب إصلاحاً شاملاً يلامس جوهر المنظومة السياسية، ويعيد بناء الثقة، ويعمق معنى المشاركة الفاعلة للمواطنين في صناعة مستقبلهم. تصفحوا المزيد من التحليلات المعمقة على الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك