عاجل

إدارة فائض المياه في السدود المغربية: استراتيجية حتمية لمواجهة تقلبات المناخ

إدارة فائض المياه في السدود المغربية: استراتيجية حتمية لمواجهة تقلبات المناخ

إدارة فائض المياه في السدود المغربية: استراتيجية حتمية لمواجهة تقلبات المناخ

شهد المغرب مؤخرًا موجة من التساقطات المطرية الغزيرة التي أدت إلى ارتفاع منسوب المياه في السدود إلى مستويات قياسية، مما استدعى عمليات تصريف ضرورية للحفاظ على سلامة هذه المنشآت الحيوية. هذا الوضع، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا على وفرة مائية، يعيد إلى الواجهة نقاشًا جوهريًا حول فعالية إدارة فائض المياه في السدود المغربية وضرورة تسريع وتيرة إنجاز مشاريع الربط بين الأحواض المائية، خاصة في ظل التحديات المناخية المتزايدة التي تتسم بتقلبات حادة بين الجفاف والفيضانات.

لماذا يتم تصريف المياه من السدود؟ ضرورة فنية وبيئية

إن عمليات تصريف المياه من السدود، وإن بدت كنوع من ‘الهدر’ في أوقات الشح، هي في حقيقتها إجراء تقني وقائي لا غنى عنه. يوضح خبراء الماء والبيئة أن هذا الإجراء يهدف بشكل أساسي إلى:

  • ضمان سلامة البنية التحتية: تتطلب سلامة جسم السد تحمل ضغط مائي ضمن حدود معينة. عندما تتجاوز الواردات المائية قدرة السد الاستيعابية القصوى، يصبح التصريف ضروريًا لتجنب أية مخاطر محتملة على سلامته أو على المناطق السكنية والزراعية الواقعة في مصب السد.
  • الحفاظ على التوازن البيئي: فكرة منع وصول المياه إلى البحر تمامًا قد تبدو مثالية، إلا أنها غير دقيقة وتشكل تحديًا بيئيًا كبيرًا. تعتمد آلاف الأنواع النباتية والحيوانية في الأنظمة البيئية الواقعة خلف السدود وعلى طول الأنهار على ما يعرف بـ الصبيب الإيكولوجي. هذه الحصة المائية ضرورية لضمان استمرار حياتها وانتعاشها، وبالتالي الحفاظ على التنوع البيولوجي الذي يحمي الإنسان بطرق غير مباشرة من انتشار الطفيليات والاختلالات البيئية.

تحديات إدارة فائض المياه في السدود المغربية: من الهدر الظاهري إلى الحاجة للتخطيط

لا يكمن الإشكال الحقيقي في عملية التصريف بحد ذاتها، بل في غياب رؤية شاملة لاستثمار هذا الفائض المائي خلال فترات الوفرة المؤقتة. يشير المتخصصون إلى أن ضعف مشاريع تحويل المياه والربط بين الأحواض المائية يؤدي إلى جعل هذه العمليات تبدو وكأنها تبديد لثروة مائية ثمينة.

من أبرز هذه التحديات:

  • التباين الجهوي في الموارد المائية: غالبًا ما تشهد بعض الأحواض، مثل حوض سبو في الشمال، وفرة مائية كبيرة تستدعي التصريف، بينما تعاني أحواض أخرى، كحوض أم الربيع والأحواض الجنوبية، من خصاص بنيوي حاد. هذا التفاوت الجغرافي يبرز الحاجة الملحة لمشاريع الربط المائي.
  • تأثير التغيرات المناخية: فرضت التغيرات المناخية نمطًا جديدًا من التساقطات يتسم بفترات جفاف طويلة تتخللها أمطار قوية ومركزة في وقت وجيز. هذا النمط يزيد من الضغط على قدرة السدود التخزينية ويجعل التصريف أمرًا حتميًا، مما يؤكد ضرورة التكيف مع هذه التقلبات عبر حلول مرنة.
  • مشكلة التوحل وسد الطاقة التخزينية: تعاني العديد من السدود المغربية، خاصة القديمة منها، من مشكلة تراكم الأوحال التي تقلص من قدرتها التخزينية الفعلية. هذا الأمر يسرع من وصول السدود إلى أقصى سعتها ويفرض عمليات التصريف بشكل أسرع، مما يضيع كميات كبيرة من المياه الصالحة للاستخدام.

الحلول الاستراتيجية: تسريع الربط المائي وتوسيع القدرات التخزينية

لمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الحلول الاستراتيجية التي يجب تسريع وتيرة إنجازها واعتمادها ضمن رؤية شاملة للأمن المائي:

  1. مشاريع الربط بين الأحواض المائية: تُعد هذه المشاريع حجر الزاوية في إدارة فائض المياه في السدود المغربية. تسمح بتحويل المياه الزائدة من الأحواض الغنية إلى الأحواض التي تعاني من النقص، وبالتالي تحقيق توازن مائي وطني واستغلال أمثل للثروة المائية.
  2. توسيع السعات التخزينية المرنة: يشمل ذلك بناء سدود جديدة، خاصة السدود التلية الصغرى في المناطق التي تشهد فيضانات موسمية، بالإضافة إلى تعزيز قدرات السدود الحالية عبر صيانتها الدورية وإزالة الأوحال المتراكمة.
  3. تطوير تحلية مياه البحر: رغم ارتفاع تكلفتها، فإن محطات تحلية مياه البحر تشكل حلاً استراتيجيًا مكملاً، خاصة للمناطق الساحلية التي تعاني من الإجهاد المائي، مما يقلل الضغط على المياه السطحية والجوفية.
  4. الاستدامة والوعي البيئي: يجب أن تتضمن أي استراتيجية مائية عنصرًا قويًا للتوعية بأهمية ترشيد استهلاك الماء، واعتماد تقنيات الري الحديثة، وتشجيع الممارسات الزراعية المستدامة.

خاتمة

إن عمليات تصريف المياه من السدود، وإن كانت ضرورة تقنية، تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول حاجتنا الملحة لتبني استراتيجية مائية وطنية متكاملة تستهدف إدارة فائض المياه في السدود المغربية بفعالية. يجب أن تركز هذه الاستراتيجية على تسريع مشاريع الربط بين الأحواض، توسيع القدرات التخزينية، وتكييف البنية التحتية مع واقع التغيرات المناخية. إن الاستثمار في هذه المشاريع اليوم هو ضمان لأمن المغرب المائي غدًا، وتحدٍ يتطلب تضافر الجهود لضمان مستقبل مزدهر ومستدام لكل مواطني المملكة.

للمزيد من الأخبار والتحليلات حول قضايا المياه في المغرب، تابعوا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.