عاجل

رحلة فكرية عميقة: استكشاف أبعاد الوجود في كتاب السرديات لسعيد بنكراد

رحلة فكرية عميقة: استكشاف أبعاد الوجود في كتاب السرديات لسعيد بنكراد

في خطوة تثري المشهد الثقافي والأكاديمي، أعلن المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع عن إصدار جديد للمفكر والباحث المغربي البارز، سعيد بنكراد، بعنوان “السَّرديّات في الأدب والتَّاريخ والفينومينولوجيا”. يأتي هذا العمل ليُعيد تسليط الضوء على جوهر القصص والحكايات التي تشكل نسيج حياتنا، مقدماً مقاربة عميقة متعددة التخصصات. يمثل هذا الإصدار إضافة قيمة للمكتبة العربية، ويدعو القراء إلى استكشاف الأبعاد الخفية للسرد، ويبرز أهمية **كتاب السرديات لسعيد بنكراد** في فهم كيفية بناء الواقع والمعنى.

يغوص الأستاذ بنكراد في فصول كتابه الخمسة في أعماق تشكل المحكيات، مظاهرها المتعددة، غاياتها الكامنة، ووظائفها الجوهرية. إنه لا يقدم مجرد وصف لأحداث مألوفة، بل يدعو القارئ إلى التفكير في موقع السرد داخل التجربة الإنسانية ذاتها، وكيف يمنحها المعنى. فالكثير من ‘حقائق’ وجودنا لا تُكتشف إلا من خلال التخييل، الذي تتجلى أصالته في قدرته على إعادة الذات إلى شرطها الواقعي، لا في غرابة عوالمه. هذه الكونية للسرد تجعله حاضراً في كل تفاصيل الحياة اليومية، أداة لاستحضار الماضي، ووسيلة لصياغة أحلامنا ورغباتنا.

السرديات: جسر بين الماضي والمستقبل في فكر سعيد بنكراد

يتناول بنكراد السرد كأداة مثلى للتوسط بين الحياة والموت، ملاذًا للذاكرة ومرآة لمواجهة الآتي. إن العودة إلى الماضي عبر السرد هي دائمًا بحث عن عودة آمنة إلى الحاضر. هذا المفهوم العميق يعكس سعي الرومانسيين الأوائل للبحث عن الأصول الأولى للحكايات، على غرار سعي اللسانيين للبحث عن لسان أصل مشترك. في كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بتوق دفين للعودة إلى الواحد المطلق، أو استكشاف لحظات الخلق الأولى، فوضع اليد على الأصل هو وضع اليد على الشكل الأول للمعنى.

نحن نعيش على الأرض قصة واحدة جامعة: قصة الحب والكراهية، المودة والتسامح، النضال من أجل العزة والدفاع عن الأوطان، أو حتى المعارك الصغيرة التي تؤثث معيشنا اليومي. الأمثلة تتراوح من روميو وجولييت كصيغة سردية للحب اللامتناهي، إلى أوديب في الأسطورة كاستعارة للقدر والمشاعر المكبوتة. يشير بنكراد إلى أن التراجيديات الكبرى تكمن في توغل أبطالها في الهاوية، تشبهنا في ذلك؛ فنحن نصرف أقدارنا فيما نرويه عن أنفسنا، متخلصين من أهوائنا في النكات والنوادر. لذا، فإن حقيقتنا في التخييل قد تكون أشد غرابة مما نعيشه في واقعنا المباشر.

الفينومينولوجيا والسرد: رؤية متكاملة

يستعرض الكتاب كيف دفعت الحاجة إلى التجريد القصوى لتوحيد البشر في فضاء الأرض وزمنها الكوني، إلى فهم أعمق لنقطة الانتهاء أو “سدرة المنتهى”، حيث تتجلى بؤرة الحياة ومنشؤها ومنتهاها. هذه النقطة هي الوحيدة القادرة على الحفاظ على التوازن من خلال قصص نلمس فيها البداية والنهاية ضمن زمنية لا تتوقف أبداً. السردية هنا ظاهرة شاملة لكل أشكال وجودنا.

وقد حاول رواد السرديات الأدبية الإمساك بالثابت في المحكيات لتحديد خصائص النشاط السردي. الأمر لا يقتصر على تقنيات السرد، بل يمتد ليشمل ضبط شكل حضور الإنسان في الفضاء العمومي. حتى التاريخ، في نظر مفكرين مثل هايدن وايت، ذو طبيعة سردية، فهو سلسلة من المحكيات التي تمكن المؤرخ من فهم معنى الحدث وموقعه في الذاكرة. لا قيمة للوقائع قبل سردها، أي قبل أن تصبح محكياً يدين أو يمجد حدثاً ما.

بول ريكور والفينومينولوجيا السردية

إن مركزية القصص هذه هي ما دفع الفيلسوف بول ريكور إلى ربط الزمن بالسرد بشكل وثيق، معتبراً إياهما مترابطين ومركزيين في صياغة التجربة الإنسانية بكل تجلياتها. هذا الترابط هو المدخل الرئيس لتحديد مضامين التجربة الوجودية على الأرض. فمشاعر الحنين والأمل والندم، وغيرها من الانفعالات، لا تصبح قابلة للإدراك إلا من خلال فعل سردي يتحقق ضمن سياقات ومحكيات تمنحها المعنى.

كما يستند الكتاب إلى الفينومينولوجيا القصصية عند ويلهام شاب، الذي اعتقد جازماً أن الذات لا تدرك العالم إلا ضمن مآل يتمثل أمامها وينظم كمحكٍ. نحن جزء من محكيات العالم، ويقيننا الوحيد هو أن نروى. فما نسميه “ماهية” أو “طابعاً” هو ما يسربه النشاط الفكري إلى المحكيات وينتزعه منها.

شهد العالم عودة قوية للسردي مع بداية التسعينيات ضمن ما يعرف بـ”المنعطف السردي”، حيث أصبحت الاستعانة بالمحكي عصب “الستوري تيلينغ” في مجالات التسويق والإشهار والسياسة. المحكي وسيلة للوصول إلى وجدان المتلقي، رؤية جديدة للتحكم حيث يصبح الإنسان طيعاً في ذاكرته ومفصولاً عن شرط وجوده في الراهن، لأن الناس يميلون إلى ما يثير انفعالاتهم لا ما يحرك عقولهم. وبذلك تصبح الحكاية أداة لبيع “منتج” يتحول عند المستهلك إلى سبيل للتماهي مع العوالم التي تبشر بها الرسالة الدعائية.

إن كتاب السرديات لسعيد بنكراد ليس مجرد عمل أكاديمي، بل دعوة للتأمل في قوة القصة التي تشكل واقعنا وتحدد مساراتنا الفكرية والعاطفية. إنه يقدم إطاراً تحليلياً متكاملاً لفهم الدور المحوري للسرد في تشكيل التجربة الإنسانية عبر مختلف الحقول المعرفية. لمزيد من الأخبار الثقافية والأدبية، يمكنكم متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.