أعادت التصاعدات الجيوسياسية الأخيرة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط ترتيب أولويات التوقعات الاقتصادية الكلية، مما يضع البنك المركزي المغربي أمام تحديات معقدة في إدارة السياسة النقدية.
وأوضح محافظ بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن الأزمة الحالية تخلق بيئة غير مؤكدة تؤثر بشكل مباشر على عدة مؤشرات اقتصادية حيوية، أبرزها أسعار النفط العالمية ومعدلات التضخم واستقرار المالية العامة.
وأشار الجواهري إلى أن اضطرابات أسواق الطاقة الناتجة عن النزاع تشكل ضغطاً تصاعدياً على فاتورة استيراد المحروقات، وهي أحد المكونات الأساسية في العجز التجاري للمملكة. كما أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس على تكاليف الإنتاج والنقل محلياً.
وفيما يتعلق بالتضخم، لفت المحافظ إلى أن البنك المركزي يراقب عن كثب تداعيات الصدمات الخارجية على الأسعار المحلية، خاصة في ظل استمرار التحديات المرتبطة بأسعار المواد الغذائية عالمياً. ويعتبر الحفاظ على استقرار الأسعار هدفاً رئيسياً للسياسة النقدية.
وعلى صعيد المالية العامة، فإن ارتفاع الإنفاق على دعم المواد الأساسية والطاقة، كاستجابة أولية للتخفيف من الأثر على المواطنين، يزيد من العبء على خزينة الدولة. وهذا يتطلب، بحسب تصريحات البنك، توازناً دقيقاً بين الحماية الاجتماعية واستدامة المالية العامة.
وكان بنك المغرب قد اعتمد في الفترة الماضية على رفع سعر الفائدة الرئيسي للسيطرة على التضخم، في مسار متزامن مع العديد من البنوك المركزية العالمية. وتأتي التطورات الجيوسياسية الجديدة لتزيد من تعقيد عملية صنع القرار النقدي المستقبلي.
ويؤكد البنك أن قراراته ستستند بشكل كامل إلى تحليل البيانات والمؤشرات الاقتصادية المحلية والدولية، مع أولوية واضحة لاحتواء التضخم. كما يتابع تأثير تقلبات سعر صرف الدرهم أمام العملات الرئيسية، والتي قد تتفاقم بسبب عدم استقرار الأسواق المالية العالمية.
ومن جهة أخرى، فإن قطاع التصدير، وخاصة الفوسفات والسيارات، قد يشهد تأثراً بتبعات الحرب من خلال اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وتراجع الطلب في بعض الأسواق. وهذا بدوره يؤثر على تدفقات النقد الأجنبي.
وتعمل المؤسسة النقدية، وفقاً لتصريحاتها الرسمية، على تعزيز احتياطياتها من العملة الصعبة لتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية. كما تواصل تنسيق سياساتها مع الحكومة ضمن الإطار المحدد للاستقلالية التشغيلية للبنك المركزي.
ويولي بنك المغرب اهتماماً خاصاً لتأثير هذه العوامل على النمو الاقتصادي المتوقع للعام الحالي، حيث قد تتطلب المراجعات التنازلية للتوقعات اتخاذ إجراءات داعمة للنشاط الاقتصادي دون المساس بمسار كبح التضخم.
ومن المتوقع أن يصدر البنك المركزي تقريراً محدثاً حول توقعاته الاقتصادية في الأشهر المقبلة، يعكس فيه التقديرات الجديدة لمعدلات النمو والتضخم والعجز، في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية. كما ستعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعاتها الدورية لاتخاذ القرار المناسب بشأن أسعار الفائدة.
وستعتمد القرارات المستقبلية للبنك بشكل كبير على مدة وتطور النزاع في الشرق الأوسط، ومدى استقرار أسواق النفط العالمية، وقدرة الاقتصاد العالمي على تجنب ركود حاد. ويظل الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي الهدف الاستراتيجي الأول في هذه المرحلة.
التعليقات (0)
اترك تعليقك