كشفت معطيات رسمية حديثة أن مناخ الأمن داخل المؤسسات التعليمية المغربية يظل محكوماً بشكل عام، غير أنه يبرز نقاط ضعف ملحوظة، تتركز بشكل خاص في مرحلة التعليم الثانوي الإعدادي. وتأتي هذه البيانات في إطار تقييم شامل لواقع السلامة المدرسية، وسط جهود حثيثة لتعزيز الحماية داخل الفضاءات التربوية.
وأظهرت المعطيات، التي تم جمعها عبر آليات رصد منهجية، أن مرحلة الثانوي الإعدادي تشهد حصة غير متناسبة من حوادث العنف المسجلة بين التلاميذ، مقارنة بمراحل التعليم الابتدائي والتأهيلي. ويُعزى هذا الوضع إلى عوامل متشابكة تتعلق بخصوصية المرحلة العمرية للتلاميذ والتحولات النفسية والاجتماعية التي يمرون بها.
ويُعرِّف الخبراء التربويون “المناخ المدرسي” بأنه مجموع الأحاسيس والتجارب التي يعيشها التلميذ داخل المؤسسة التعليمية، والتي تؤثر بشكل مباشر على تحصيله الدراسي وسلوكه الاجتماعي. ويشمل هذا المفهوم جوانب متعددة، أبرزها العلاقات بين التلاميذ، والعلاقة مع الأطر التربوية، والشعور بالأمان الجسدي والنفسي.
وتشير التقارير إلى أن أشكال السلوكيات المشينة في هذه المرحلة تتراوح بين التنمر اللفظي والنفسي، والمشاجرات الجسدية المحدودة، في حين تبقى الحوادث ذات الطابع الجرمي الخطير نادرة نسبياً. وتُلقي هذه الظاهرة بظلالها على الجو التعليمي العام، وتستدعي تدخلاً متعدد الأبعاد.
من جهتها، تؤكد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أنها تولي هذا الملف أولوية قصوى، في إطار سياسة تربوية تهدف إلى توفير فضاء مدرسي آمن ومناسب للتعلم. وتعمل الوزارة على تعزيز آليات الإنصات والتوجيه داخل المؤسسات، وتكوين الأطر التربوية في مجال الكشف المبكر عن حالات العنف والتعامل معها.
وقد تم، في هذا الصدد، إطلاق عدة برامج وقائية وتربوية تستهدف التلاميذ، تركز على ترسيخ قيم التسامح والحوار واحترام الآخر. كما تم تعزيز التعاون مع جمعيات آباء وأولياء التلاميذ، والسلطات المحلية، ومصالح الأمن، لخلق شبكة حماية مشتركة حول المؤسسات التعليمية.
ويشدد المختصون على أن معالجة ظاهرة العنف المدرسي، خاصة في مرحلة المراهقة، تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والتربوية. ويدعون إلى إشراك فعال للتلاميذ أنفسهم في صياغة الحلول، عبر مجالس التلاميذ وورشات التوعية.
ويبقى دور الأسرة محورياً في هذه المعادلة، حيث يُعتبر التعاون والتنسيق المستمر بين البيت والمدرسة حجر الزاوية في أي استراتيجية ناجحة للحد من السلوكيات العدوانية. ويتطلب هذا توعية الأسر بعلامات التنمر والعنف، وكيفية التبليغ عنها والتعامل معها بناءً.
ومن المتوقع أن تستمر الوزارة في تعزيز آليات الرصد والتقييم، من خلال استمارات دورية تقيس مؤشرات المناخ المدرسي، وتكشف عن مواطن الخلل بشكل مبكر. كما من المرتقب الإعلان عن حزمة إضافية من الإجراءات العملية خلال الفصل الدراسي المقبل، تستند إلى نتائج التقارير التحليلية للوضع الحالي.
التعليقات (0)
اترك تعليقك