تعرف السياسات العمومية في المغرب مفارقة يدركها المتخصصون لكنها تظل عصية على المعالجة من قبل صناع القرار، حيث يتم تخصيص مليارات الدراهم سنويا دون وجود آليات موثوقة تقيس أثر هذه النفقات على المواطنين.
نظمت المندوبية السامية للتخطيط الندوة الوطنية حول تقييم السياسات العمومية في الرباط بتاريخ 23 فبراير 2024، بمشاركة مسؤولين حكوميين وخبراء اقتصاديين. الندوة ناقشت المعايير والإجراءات اللازمة لبناء منظومة تقييم مستقلة وفعالة.
أكد أحمد الحليمي، المندوب السامي للتخطيط، خلال افتتاح الندوة أن المغرب قطع أشواطا مهمة في مجال التخطيط الاستراتيجي، لكن تقييم الأداء الحكومي لا يزال بحاجة إلى إصلاحات جوهرية على مستوى المؤسسات والكفاءات البشرية.
تشير الدراسات التي قدمت في الندوة إلى أن أكثر من 60% من البرامج الحكومية لا تخضع لأي تقييم منهجي، بل تكتفي بتقارير رقابية إدارية لا تقيس النتائج النهائية على المستفيدين. هذا الوضع يضعف المساءلة العمومية ويحول دون تصحيح السياسات في الوقت المناسب.
أحد أبرز التوصيات التي خرجت بها الندوة كان إنشاء هيئة عليا مستقلة للتقييم تتبع البرلمان وليس الحكومة، على غرار تجارب دول مثل كندا وفرنسا. الهدف من هذه الهيئة هو ضمان شفافية التقييم وعدم تأثره بالاعتبارات السياسية.
أكد الخبراء المشاركون أن نجاح نظام التقييم يتطلب ثلاثة شروط مسبقة: أولا، قاعدة بيانات وطنية مفتوحة للباحثين والإعلام، وثانيا، تكوين متخصص في القياس الإحصائي والتحليل الاقتصادي للموظفين العموميين، وثالثا، إطار قانوني يلزم جميع الوزارات بنشر تقارير التقييم سنويا.
المندوبية السامية للتخطيط كشفت عن إطلاق برنامج تجريبي في ثلاث جهات مغربية (الدار البيضاء سطات، فاس مكناس، سوس ماسة) لتطبيق منهجية التقييم القائمة على مؤشرات الأداء الرئيسية. البرنامج يمتد من مارس 2024 إلى ديسمبر 2025.
من جهتها، أكدت وزارة الاقتصاد والمالية أن الحكومة تدرس مشروع قانون إطار للتقييم، يتضمن عقوبات على المؤسسات التي لا تنفذ التوصيات التصحيحية المستخلصة من التقارير. القانون المتوقع عرضه على البرلمان في دورة أكتوبر 2024.
خبراء البنك الدولي الذين حضروا الندوة أشادوا بالتجربة المغربية في مجال التخطيط الاستراتيجي، لكنهم أشاروا إلى أن غياب ثقافة التقييم بين الموظفين العموميين والمجتمع المدني يمثل العائق الأكبر أمام تطبيق النظام.
الندوة أوصت أيضا بإدراج مادة “تقييم السياسات العمومية” في المناهج الجامعية لكليات الحقوق والاقتصاد، وتعزيز دور المحاكم المالية في رقابة الأداء وليس فقط رقابة المطابقة القانونية.
من المتوقع أن تعلن المندوبية السامية للتخطيط عن نتائج البرنامج التجريبي في مارس 2025، تمهيدا لتعميم المنهجية على جميع الوزارات والجماعات الترابية بحلول عام 2026. هذه الخطوة ستحدد وضوحا ما إذا كان المغرب قادرا على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التقييم الفعلية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك