عاجل

الوعود الانتخابية في المغرب: هل تتحمل المالية العمومية تكلفتها؟

الوعود الانتخابية في المغرب: هل تتحمل المالية العمومية تكلفتها؟

مع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي في المغرب، تتصاعد التساؤلات حول قدرة المالية العمومية على تحمل تكلفة الوعود الانتخابية التي تطلقها الأحزاب السياسية. فبين رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وزيادة التعويضات، وتحسين الخدمات العامة، تظل هذه الوعود مجرد حبر على ورق إذا لم تقابل بتمويل واضح ومستدام. في هذا المقال، نسلط الضوء على الأبعاد المالية لهذه الالتزامات، ونحلل مدى واقعيتها في ظل الوضعية الاقتصادية الحالية.

تكلفة الوعود الانتخابية: أرقام تتحدث

تتضمن البرامج الانتخابية لمختلف الأحزاب المغربية وعوداً طموحة، لكن السؤال الجوهري يبقى: من سيمول هذه الوعود؟ فحزب الأصالة والمعاصرة، على سبيل المثال، تعهد بتنفيذ 20 التزاماً بكلفة إجمالية تصل إلى 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل 70 مليار درهم سنوياً. ويخصص جزءاً كبيراً من هذا المبلغ لدعم القدرة الشرائية للمواطنين. في المقابل، يقدم حزب الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار وعوداً مفصلة لكن دون تحديد كلفتها الإجمالية، مما يجعل من الصعب تقييم أثرها على الميزانية العامة.

من أبرز الوعود التي أثارت جدلاً واسعاً هو رفع الحد الأدنى للأجور (SMIG) إلى 5000 درهم شهرياً، وهو ما يعادل زيادة تتراوح بين 46% و60% مقارنة بالمستوى الحالي. هذه القفزة الكبيرة، إذا ما طُبقت دفعة واحدة، ستكلف القطاع الخاص وحده ما بين 30 و55 مليار درهم سنوياً، وفق تقديرات أولية. كما أن لها تأثيرات غير مباشرة على سلم الأجور بأكمله، إذ ستؤدي إلى ضغوط لرفع الأجور الأعلى من الحد الأدنى، مما يزيد العبء على المقاولات.

الوضعية المالية للمغرب: هامش مناورة ضيق

لفهم مدى واقعية هذه الوعود، لا بد من النظر إلى الوضعية المالية الحالية للمغرب. فبحسب قانون المالية لسنة 2026، تبلغ النفقات العامة حوالي 761 مليار درهم مقابل موارد لا تتجاوز 712 مليار درهم، مما يعني عجزاً متوقعاً في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي. أما الدين العمومي فيقترب من 80% من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع يجعل أي التزامات جديدة غير ممولة تهدد استدامة المالية العمومية.

ويشير الخبراء إلى أن النمو الاقتصادي المتوقع، والذي يتراوح بين 4% و5%، لن يكون كافياً لتمويل هذه الوعود دون اللجوء إلى إجراءات تقشفية أو زيادة الضرائب. فحزب الأصالة والمعاصرة يعول على نمو بنسبة 5% سنوياً لتمويل 86% من برنامجه، لكن هذا السيناريو متفائل مقارنة بمعدلات النمو المسجلة في السنوات الأخيرة، والتي لم تتجاوز 3.7% في المتوسط.

آليات التمويل المقترحة: بين الواقع والطموح

تقترح الأحزاب المختلفة آليات متنوعة لتمويل وعودها، تتراوح بين إعادة توجيه النفقات الحالية، وزيادة الضرائب على الشركات والأفراد الأثرياء، واللجوء إلى الاقتراض. لكن هذه الآليات تواجه تحديات كبيرة، فإعادة توجيه النفقات تتطلب إصلاحات هيكلية قد تواجه مقاومة، وزيادة الضرائب قد تثبط الاستثمار، والاقتراض يزيد من عبء الدين العام.

من جهة أخرى، هناك وعود لا تتطلب نفقات مباشرة، مثل مقترح حزب العدالة والتنمية بتسقيف هوامش ربح شركات توزيع المحروقات، لكنها تحتاج إلى قدرة تنظيمية ورقابية قوية لضمان تطبيقها، وقد تواجه مقاومة من الفاعلين في القطاع.

تأثير الوعود على القدرة الشرائية والاقتصاد الوطني

تهدف معظم الوعود الانتخابية إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وتدني الأجور. لكن تنفيذ هذه الوعود بشكل غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل ارتفاع التضخم، وزيادة البطالة في القطاع غير المهيكل، وهروب الاستثمارات. فرفع الحد الأدنى للأجور بشكل كبير قد يدفع بعض المقاولات إلى تقليص عدد العمال أو اللجوء إلى التشغيل غير القانوني للتهرب من التكاليف الإضافية.

لذلك، يرى خبراء الاقتصاد أن الحل الأمثل يكمن في تبني سياسات تدريجية ومستدامة، تراعي التوازن بين تحسين دخل المواطنين والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الوطني. كما يجب أن تكون الوعود الانتخابية مصحوبة بدراسات جدوى مالية واضحة، تحدد مصادر التمويل وجدولاً زمنياً للتنفيذ.

الشفافية والمساءلة: مفتاح نجاح البرامج الانتخابية

في النهاية، يبقى اختبار هذه البرامج في قدرتها على التحول إلى سياسات فعلية بعد الانتخابات. فالناخب المغربي أصبح أكثر وعياً بأهمية الأرقام والتفاصيل المالية، ولن يكتفي بالشعارات الرنانة. لذلك، على الأحزاب أن تكون أكثر شفافية في ما يتعلق بتكلفة وعودها ومصادر تمويلها، وأن تتحمل مسؤولية تنفيذها أمام البرلمان والرأي العام.

وللاطلاع على المزيد من التحليلات الاقتصادية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، حيث تجدون تغطية شاملة للانتخابات والقضايا الاقتصادية. كما يمكنكم الرجوع إلى المالية العامة لفهم أعمق للمفاهيم المالية.

في الختام، تظل تكلفة الوعود الانتخابية على المالية العمومية المغربية قضية محورية ستحدد مصير هذه البرامج بعد الانتخابات. فالتوازن بين الطموحات الاجتماعية والقيود المالية هو التحدي الأكبر الذي سيواجه الحكومة المقبلة، والذي يتطلب حكمة وتبصراً في اتخاذ القرارات.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.