في خضم التحضيرات للدخول المدرسي، الذي يشمل أكثر من 8 ملايين تلميذ في المغرب، تبرز قضية شائكة تؤرق بال أصحاب المكتبات في الدار البيضاء، ألا وهي قيام بعض المدارس الخاصة ببيع الكتب واللوازم المدرسية مباشرة للتلاميذ، مما يهدد استمرارية قطاع المكتبات الذي يعاني أصلاً من تحديات جمة. هذه الممارسة، التي يراها البعض بمثابة منافسة غير عادلة، تطرح تساؤلات حول مستقبل المهنة ودور المدارس في العملية التعليمية.
تفاقم أزمة المكتبات بسبب بيع المدارس الخاصة للوازم المدرسية
مع حلول شهر شتنبر، تنتعش آمال المكتبات في تعويض ركود الأشهر الماضية، لكن هذا العام، يبدو أن الوضع مختلف تماماً. ففي أحد أحياء الدار البيضاء، يقف الحاج محمد، صاحب مكتبة صغيرة، يتأمل حركة الزبائن الخجولة، ويقول بحسرة: “كنا ننتظر هذه الفترة بفارغ الصبر لإنعاش تجارتنا، لكن للأسف، أصبحت المدارس الخاصة تسحب البساط من تحت أقدامنا”. ويضيف أن العديد من الآباء يفضلون شراء الكتب واللوازم مباشرة من المدارس، لتوفير الوقت والجهد، حتى لو كلفهم ذلك مبلغاً إضافياً.
وتشير الإحصائيات إلى أن عدداً متزايداً من المدارس الخاصة، خاصة تلك التابعة للبعثات الأجنبية، تفرض على أولياء الأمور شراء الكتب من المدرسة حصراً، بحجة ضمان جودة المطبوعات ومطابقتها للمنهج. هذا الإجراء، الذي يجد فيه البعض تسهيلاً، يضع المكتبات في موقف صعب، إذ تجد نفسها مضطرة لطلب كتب باهظة الثمن مسبقاً، دون ضمان بيعها، مما يعرضها لخسائر مالية فادحة.
ولم يقتصر الأمر على الكتب المدرسية، بل امتد ليشمل اللوازم المكتبية كالدفاتر والأقلام والحقائب، حيث تقوم بعض المدارس بتجميع قوائم موحدة وتوفيرها في متاجرها الداخلية، مما يحرم المكتبات المستقلة من شريحة كبيرة من الزبائن. وفي هذا السياق، يؤكد عدد من المكتبيين أن هذه الممارسات أدت بالفعل إلى إغلاق العديد من المحلات، خاصة في الأحياء الشعبية، حيث تكون الهوامش الربحية ضئيلة أصلاً.
آثار سلبية على أولياء الأمور والمكتبات على حد سواء
من ناحية أخرى، يرى بعض المراقبين أن هذه الظاهرة تلقي بظلالها على أولياء الأمور أيضاً، إذ أن شراء اللوازم من المدارس غالباً ما يكون بأسعار أعلى من السوق، مما يزيد من الأعباء المالية على الأسر، خاصة تلك التي لديها أكثر من طفل في مراحل دراسية مختلفة. وتقول فاطمة الزهراء، أم لثلاثة أطفال: “في الماضي، كنت أقارن الأسعار وأختار الأفضل، أما الآن، فأنا مجبرة على الشراء من المدرسة، حتى لو كان الثمن مضاعفاً، لأنهم يهددون بعدم قبول أبنائي إذا لم ألتزم بالقائمة”.
أما بالنسبة للمكتبات، فإن الوضع أصبح لا يطاق، حيث يضطر بعضها إلى إغلاق أبوابه نهائياً، بينما يحاول البعض الآخر التكيف من خلال تنويع أنشطته، مثل بيع القرطاسية العامة أو تقديم خدمات التصوير والطباعة. ومع ذلك، يبقى هذا الحل مؤقتاً، إذ أن الدخول المدرسي يمثل الموسم الرئيسي لتحقيق الأرباح، وهو ما يفسر حالة الإحباط التي يعيشها المكتبيون.
مطالب بتدخل عاجل لإنقاذ القطاع
في ظل هذه الأوضاع، طالبت الجمعيات المهنية للمكتبيين وزارة الداخلية بالتدخل العاجل، ووضع حد لما يعتبرونه احتكاراً غير مشروع من قبل المدارس الخاصة. وتشمل مطالبهم تعزيز الرقابة على هذه الممارسات، ومنع المدارس من بيع اللوازم المدرسية، أو على الأقل، وضع ضوابط واضحة تضمن عدم الإضرار بالمكتبات المستقلة. كما يدعون إلى إطلاق حملات توعية لأولياء الأمور حول أهمية دعم المكتبات المحلية، ودورها في الاقتصاد المحلي.
ويشير خبراء في مجال التربية إلى أن هذه الظاهرة تعكس تحولاً أوسع في مفهوم التعليم الخاص، حيث تتجه بعض المؤسسات إلى تحقيق أرباح إضافية من خلال بيع المستلزمات الدراسية، بدلاً من التركيز على جودة التعليم. ويؤكدون على ضرورة وضع إطار قانوني ينظم العلاقة بين المدارس والمكتبات، بما يضمن حقوق جميع الأطراف.
وفي انتظار اتخاذ الإجراءات اللازمة، يبقى مصير مئات المكتبات في الدار البيضاء ومدن أخرى معلقاً، بينما يستمر الجدل حول هذه الممارسة التي تهدد قطاعاً عريقاً من قطاعات الثقافة والتعليم في المغرب. فهل ستتحرك الجهات المعنية قبل فوات الأوان؟
للمزيد من المعلومات حول تأثير هذه الظاهرة على قطاع التعليم، يمكنكم الاطلاع على التعليم الخاص في المغرب، ولمتابعة آخر الأخبار والتحليلات، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
التعليقات (0)
اترك تعليقك