عاجل

المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية: أرقام قياسية ورسائل سياسية في استحقاق 2026

المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية: أرقام قياسية ورسائل سياسية في استحقاق 2026

المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية: ظاهرة ديمقراطية متجددة

في مشهد انتخابي وطني اتسم بتراجع عام في نسب الإقبال، برزت المشاركة الانتخابية في الأقاليم الجنوبية كظاهرة لافتة تفرض نفسها على طاولة التحليل السياسي. فقد كشفت نتائج الاقتراع العام المباشر ليوم 23 شتنبر 2026 عن أرقام غير مسبوقة، إذ سجلت جهة العيون-الساقية الحمراء نسبة مشاركة بلغت 77 في المائة، بينما وصلت في إقليم العيون وحده إلى 79.52 في المائة، مقابل 61 في المائة بجهة الداخلة-وادي الذهب، في حين استقر المعدل الوطني عند 38.08 في المائة فقط. هذه الفجوة الكبيرة تطرح تساؤلات حول العوامل الكامنة وراء هذا الزخم الديمقراطي، وما يحمله من رسائل تتجاوز حدود اليوم الانتخابي.

مسار تصاعدي يعكس ترسخ الثقافة الانتخابية

لم تأت هذه النتائج من فراغ، بل هي امتداد لمسار تصاعدي بدأ يتبلور منذ أكثر من عقد. ففي جهة العيون-الساقية الحمراء، انتقلت نسبة المشاركة من 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، ثم إلى 66.94 في المائة سنة 2021، لتصل إلى 77 في المائة في انتخابات 2026. هذا التطور المطرد يشير إلى تحول عميق في السلوك الانتخابي لساكنة المنطقة، حيث أصبحت صناديق الاقتراع جزءاً من النسيج الديمقراطي المحلي، وليست مجرد حدث عابر.

ويؤكد عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن هذا الحضور المتواصل يعكس ترسخ ثقافة سياسية قائمة على الانخراط في العملية الانتخابية كآلية أساسية للتعبير عن المواقف واختيار الممثلين. ويضيف أن تراكم التجربة الانتخابية عبر سنوات جعل المشاركة جزءاً من الثقافة السياسية السائدة، ورسخ لدى الساكنة اعتياداً على اللجوء إلى صناديق الاقتراع.

دلالات سياسية ومؤسساتية تتجاوز الأرقام

لا يمكن قراءة نسب المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية بمعزل عن سياقها السياسي والمؤسساتي. فهذه الأرقام تحمل دلالات عميقة تتعلق بشرعية المؤسسات المنتخبة وتمثيليتها. فكلما اتسعت قاعدة المشاركة، اتسعت معها قاعدة التمثيل السياسي، مما يمنح المنتخبين تفويضاً شعبياً أقوى للترافع عن قضايا التنمية والتشغيل والتعليم والصحة والبنيات التحتية.

ويشير الشيخ بوسعيد، الباحث في القانون العام، إلى أن هذا الفارق الكبير في نسب المشاركة يعكس وعياً بأهمية الانتخابات كآلية لاختيار الممثلين والمساهمة في تدبير الشأن العام. ويضيف أن بلوغ المشاركة في دائرة العيون 79.52 في المائة يكتسي دلالة خاصة، بالنظر إلى حجم الإقبال مقارنة بالمعدل الوطني.

العوامل الاجتماعية والقبلية في فهم السلوك الانتخابي

يشكل العامل القبلي عنصراً حاضراً في فهم السلوك الانتخابي بالأقاليم الجنوبية، لكنه لا ينبغي اختزاله في مجرد آلية للتعبئة. فالتعددية القبلية تساهم في إنتاج تمثيلية سياسية تعكس التنوع الاجتماعي للمنطقة، بدل احتكار التمثيل من طرف مكون واحد. ويوضح البلعمشي أن مختلف المكونات القبلية حاضرة بدرجات متفاوتة في الخريطة الانتخابية، مما يجعل التوزيع التمثيلي أقرب إلى عكس التنوع القائم.

ومع ذلك، يبقى تفسير المشاركة المرتفعة بالانتماء القبلي وحده غير كافٍ. فاستمرار الإقبال على صناديق الاقتراع عبر محطات انتخابية متعاقبة يعكس إيماناً متزايداً بالعملية السياسية نفسها وبجدوى الانخراط في المؤسسات المنتخبة. ويؤكد بوسعيد أن الناخب في الأقاليم الجنوبية يتعامل مع الانتخابات كقناة للمشاركة في تدبير الشأن العام وإنتاج التمثيلية السياسية.

أجواء انتخابية هادئة ورسائل سياسية قوية

جرت العملية الانتخابية في الأقاليم الجنوبية في ظروف اتسمت بالهدوء والانضباط، دون تسجيل خلافات أو أحداث خارجة عن السيطرة. هذا الجانب يكتسي أهمية خاصة، لأنه يعكس قدرة مختلف الفاعلين على تدبير التنافس الانتخابي داخل القواعد والمؤسسات، بشكل يحافظ على الطابع السلمي للعملية الديمقراطية.

وتحمل هذه المشاركة الواسعة رسائل سياسية واضحة، أبرزها أن ساكنة الأقاليم الجنوبية تختار الانخراط في المؤسسات وآليات التمثيل بدل العزوف عنها. كما تعكس هذه الأرقام حضور قضية الصحراء في الوعي العام للساكنة، وتؤكد أن الانخراط المكثف في الانتخابات هو اختيار واعٍ لتعزيز المسار المؤسساتي والتنموي للمملكة.

الانتخابات كرأسمال سياسي ومسؤولية تنموية

تمثل نسب المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية رأسمالاً سياسياً ومؤسساتياً ينبغي أن يواكبه أثر ملموس على مستوى التنمية والاستثمار وتحسين الخدمات. ويشدد بوسعيد على أن دلالة صناديق الاقتراع تكتمل بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل هذا الانخراط السياسي إلى سياسات ومشاريع تستجيب لانتظارات السكان.

وفي هذا السياق، يبرز التحدي الأكبر أمام ممثلي الأقاليم الجنوبية في البرلمان: ترجمة هذا الحضور الانتخابي إلى ترافع أقوى حول القضايا المرتبطة بالتنمية، وفي مقدمتها التشغيل والتعليم والصحة والبنيات التحتية والاستثمار. فالمشاركة لا تنفصل عن انتظارات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، لأن التصويت في النهاية هو اختيار لممثلي الساكنة من أجل الدفاع عن مصالحها داخل المؤسسات.

خلاصات استحقاق 23 شتنبر: نحو تعزيز المسار الديمقراطي

بينما انتهت الانتخابات بإفراز خريطة جديدة للتمثيلية البرلمانية، تظل نسب المشاركة إحدى أهم خلاصات استحقاق 23 شتنبر بالأقاليم الجنوبية. فقد تجاوزت المعدل الوطني بفارق كبير، وكرست مساراً تصاعدياً في الإقبال على الانتخابات، ورسخت حضور المنطقة في صدارة الجهات من حيث المشاركة السياسية والانخراط في المؤسسات المنتخبة.

هذا المسار يعزز الانتخابات كإحدى القنوات الرئيسية للتعبير السياسي والتمثيل المؤسساتي، ويعكس انخراط ساكنة المنطقة في تدبير شؤونها عبر الآليات الانتخابية والمؤسساتية. ولمزيد من التحليلات السياسية، يمكن متابعة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

للمزيد حول مفهوم الانتخابات وأهميتها في الأنظمة الديمقراطية، يمكن الرجوع إلى المصادر الموثوقة.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.