الوكالة القضائية للمملكة وتقليص مديونية الدولة: حصيلة 2025 تكشف عن تحول استراتيجي
في تقريرها السنوي الصادر في 12 أكتوبر 2026، أعلنت الوكالة القضائية للمملكة عن تحقيق إنجاز غير مسبوق: انخفاض بنسبة 25% في قيمة الأحكام القضائية الصادرة ضد الدولة، لتصل إلى 2.88 مليار درهم مقابل 3.84 مليار درهم في 2024. هذا التراجع، الذي يُعد الأدنى في خمس سنوات، يأتي في ظل ارتفاع عدد القضايا الجديدة بنسبة 8% لتصل إلى 22,910 ملفاً، مما يعكس تحسناً ملحوظاً في استراتيجيات الدفاع عن المال العام. وتُبرز هذه النتائج الدور المحوري الذي تلعبه الوكالة القضائية للمملكة وتقليص مديونية الدولة كأداة رئيسية لحماية المالية العامة.
مكاسب قضائية تتجاوز 4.45 مليار درهم: كيف تحققت؟
وفقاً للتقرير، بلغت المكاسب الإجمالية لصالح الخزينة 4.45 مليار درهم، محسوبة على أساس الفارق بين المطالبات الأصلية (6.04 مليار درهم) والأحكام الصادرة ضد الدولة (2.88 مليار درهم)، بالإضافة إلى 1.29 مليار درهم تم الحكم بها لصالح الدولة. هذا المؤشر، الذي يقيس الأداء القضائي وليس التحصيل الفعلي، يعكس نجاح الوكالة في تقليص الخسائر المحتملة. وعلى مدى خمس سنوات (2021-2025)، بلغ إجمالي المكاسب المتراكمة 22.89 مليار درهم، مما يعزز الثقة في فعالية المقاربة المعتمدة.
القضايا الإدارية تتصدر المشهد: 12,976 ملفاً جديداً
شكلت القضايا الإدارية النسبة الأكبر من الملفات الواردة، بواقع 12,976 قضية جديدة، تنوعت بين منازعات الصفقات العمومية، ونزع الملكية، والمسؤولية الإدارية، والطعون في قرارات الإدارة. واستحوذت الوزارات على 74.32% من إجمالي القضايا، مما يبرز الحاجة إلى تعزيز آليات الوقاية داخل الإدارات المركزية. وقد حققت الوكالة نسبة نجاح بلغت 71.73% من الأحكام لصالح الدولة، متجاوزة الهدف المسطر لعام 2025 (64%).
استرداد الأموال العامة: ارتفاع بنسبة 106% في قرارات الاسترداد
في إطار مكافحة الفساد واسترداد المال العام، حصلت الوكالة على أحكام قضائية باسترداد ما يقارب 1.10 مليار درهم خلال 2025، مقابل 533 مليون درهم في 2024، أي بزيادة 106%. ولم يقتصر الأمر على إصدار الأحكام، بل امتد إلى متابعة تنفيذها من خلال أكثر من 437 طلب بحث عن أصول و53 طلب حجز تحفظي. كما تمكنت الوكالة من إبطال هبات استخدمها بعض المحكوم عليهم للتهرب من التنفيذ، مع توسيع نطاق البحث ليشمل الحسابات البنكية تحت إشراف النيابة العامة.
حماية الممتلكات العامة: 435 حكماً بالإخلاء و198 وحدة سكنية مستردة
على صعيد حماية العقارات الإدارية، حصلت الوكالة على 435 حكماً بالإخلاء ضد شاغلي الوحدات السكنية والإدارية بدون سند قانوني، مما أدى إلى تحرير 198 وحدة. كما صدرت 33 حكماً بتعويضات عن الاحتلال غير القانوني بلغت 7.35 مليون درهم. وتهدف هذه الجهود إلى إعادة هذه الممتلكات إلى الخدمات والإدارات المستحقة قانونياً. بالإضافة إلى ذلك، دافعت الوكالة عن الموظفين في 3,013 قضية تتعلق بالاعتداءات والتهديدات أثناء ممارسة مهامهم، مع تعويضات بلغت 7.75 مليون درهم.
التحكيم الدولي: قضايا بمليارات الدراهم تحت المجهر
رغم قلة عددها، تحمل قضايا التحكيم الدولي أبعاداً مالية ضخمة. في 2025، تابعت الوكالة ثلاث نزاعات استثمارية بمطالبات بلغت 26.321 مليار درهم، و11.578 مليار درهم، و3.863 مليار درهم، تتعلق بمشروع تعديني، وطعن في حكم تحكيمي سابق، ومشاريع تهيئة. وتؤكد الوكالة على أهمية الدفاع الاستباقي منذ مرحلة إعداد الاتفاقيات، مع توصيات بصياغة التزامات دقيقة وبنود تحكيم متوازنة. وقد شاركت الوكالة في 37 اجتماعاً تحضيرياً لمشاريع استثمارية خلال 2025.
الوقاية قبل النزاع: استراتيجية جديدة لتجنب المزيد من الأحكام
أولت الوكالة أهمية متزايدة للوقاية من النزاعات، من خلال تحليل 10,004 قرارات إدارية وتقديم 26 استشارة قانونية. ورصد التقرير عيوباً متكررة في الصفقات العمومية، مثل غياب محاضر الاستلام، أو تنفيذ خدمات إضافية دون ملاحق، أو إنهاء عقود بدون توثيق كافٍ. ولمعالجة ذلك، أوصت الوكالة بتعميم آلية “المطالبة المسبقة” قبل أي دعوى قضائية ضد الإدارات، مع منح الإدارة 60 يوماً لإيجاد حل، مما يتيح تصحيح الأخطاء قبل اللجوء إلى القضاء. كما أسفرت المناظرة الوطنية الأولى حول تدبير ومنع منازعات الدولة (أبريل 2025) عن خمس توصيات كبرى و40 إجراءً تطبيقياً.
الصلح بين الإدارات: 60% من الملفات تنتهي بتسوية نهائية
حققت جهود الصلح بين الإدارات نتائج ملموسة، حيث انتهى 60% من الملفات المعنية بتسوية نهائية، و10% باتفاق جزئي، بينما لم تنجح 30% في التوصل إلى حل توافقي. وتعتزم الوكالة تعزيز هذه الآلية عبر تجاوز عقبات مثل بطء القرارات، والغياب عن الاجتماعات، وعدم الرد على المراسلات. ويبقى الهدف هو تقليل اللجوء إلى القضاء عبر تسويات مبكرة تحفظ المال العام.
الرقمنة وتحديث الخدمات: “تبادل” يختصر زمن الوصول إلى الملفات
على مستوى البنية التحتية، أطلقت الوكالة منصة “تبادل” التي ساهمت في تمرير 9,276 وثيقة واردة (52.4% من الإجمالي) مقابل 17.9% في 2024، مما سرّع تحضير الملفات واحترام الآجال. كما مكّنت إعادة تنظيم الأرشيف من تقليص مدة الوصول إلى أي ملف من عدة أيام إلى خمس دقائق فقط. وتطمح الوكالة إلى إطلاق منصة وطنية مندمجة لتتبع المنازعات في 2026، مع استكمال رقمنة الخدمات.
التحديات المستقبلية: نقص الموارد البشرية وخطط التطوير
رغم هذه الإنجازات، لا تزال الوكالة تواجه تحديات، أبرزها نقص الموارد البشرية، حيث تعمل بـ 178 موظفاً فقط (منهم 113 في الدفاع أمام المحاكم) بينما تحتاج إلى 300 موظف. وحتى نهاية 2025، أُنجز 26 من أصل 73 إجراءً في خطتها الاستراتيجية 2024-2028، مع 13 إجراءً جزئياً. ويتضمن برنامج 2026 تعزيز الرقمنة، وتطوير الهيكلة التنظيمية، وتوسيع شبكة التنسيق مع القطاعات الوزارية.
لمزيد من التفاصيل حول القضايا الوطنية، يمكنكم زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب. كما يمكن الاطلاع على تعريف المحكمة الدستورية لفهم أوسع للإطار القانوني.
التعليقات (0)
اترك تعليقك