العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا: شبكة مصالح تعيق التصعيد
في وقت تتصاعد فيه النبرة السياسية حول قضايا حساسة مثل مدينتي سبتة ومليلية وملف الهجرة غير النظامية، يبرز بعد آخر أكثر تعقيداً وأقل ضجيجاً: العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا. فقد خلص تقرير حديث صادر عن معهد تحليل العلاقات الدولية (IARI) إلى أن التشابك التجاري والصناعي بين البلدين يعمل كـ«آلية استقرار» تكبح الانزلاق نحو قطيعة شاملة، حتى في ظل استمرار الخلافات السياسية.
هذا التحليل، الذي حمل عنوان «اختلالات التوازن العسكري، التداخل الاقتصادي، والمنافسة في غرب البحر الأبيض المتوسط»، يشير إلى أن العلاقة الثنائية لا يمكن وصفها بالتعاون الكامل، لكنها في المقابل أبعد ما تكون عن الانفصال الهيكلي. فالمصالح المتبادلة، خاصة في قطاعات حيوية مثل صناعة السيارات والموانئ والطاقة، تخلق نوعاً من «الرهينة الاقتصادية» التي تجعل أي مواجهة سياسية طويلة الأمد مكلفة للطرفين.
صناعة السيارات: نموذج صارخ على التشابك الاقتصادي
يضرب التقرير مثالاً دالاً على عمق العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا من خلال قطاع صناعة السيارات. فشركات إسبانية كبرى حاضرة بقوة في منظومة التصنيع المغربية، سواء عبر مصانعها أو عبر سلاسل التوريد المرتبطة بها. هذا التداخل يعني أن أي نزاع تجاري أو جمركي مطول بين الرباط ومدريد لن يقتصر تأثيره على الجانب المغربي فحسب، بل سيمتد ليشمل الإنتاج والتوظيف في إسبانيا أيضاً، مع تكاليف قطاعية ملموسة لكل من الاقتصادين.
ويؤكد المحللون أن هذا النوع من الاعتماد المتبادل ليس مجرد تبادل تجاري بسيط، بل هو تكامل صناعي يجعل من الصعب على أي حكومة أن تقدم على خطوات تصعيدية دون حساب دقيق للعواقب الاقتصادية. فالمصانع الإسبانية التي تعمل في المغرب، والمكونات المغربية التي تدخل في تصنيع السيارات في إسبانيا، تشكل شبكة مصالح يصعب تفكيكها دون أضرار جانبية كبيرة.
الموانئ والأمن البحري: تعاون يتجاوز الخلافات
إلى جانب صناعة السيارات، يبرز التعاون في مجال الموانئ والبنية التحتية البحرية كأحد أعمدة العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا. فالموانئ المغربية، خاصة طنجة المتوسط، أصبحت شريكاً استراتيجياً للموانئ الإسبانية في إدارة حركة التجارة الدولية. كما أن التعاون في مجال الأمن البحري، ومكافحة الهجرة غير النظامية، وتبادل المعلومات، كلها مجالات تجعل من الصعب تصور قطيعة كاملة بين الجانبين.
هذا التعاون لا يقتصر على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد إلى مشاريع الطاقة المتجددة والربط الكهربائي، حيث تسعى إسبانيا للاستفادة من الطاقات المتجددة المغربية، في وقت يطمح المغرب إلى الاستفادة من الخبرة الإسبانية في هذا المجال. هذه الروابط، وفق التقرير، تحافظ على «قنوات لإدارة الأزمات» حتى في أحلك الظروف السياسية.
التوازن العسكري: أرقام لا تعكس بالضرورة الجاهزية
على المستوى العسكري، يشير التقرير إلى أن الإنفاق الدفاعي الإسباني بلغ حوالي 34.287 مليار يورو في العام الماضي، مقابل 5.645 مليار يورو للمغرب. لكن هذه الأرقام، كما يوضح المعهد، لا تقيس الجاهزية التشغيلية الفعلية. فالقدرة المالية المتفوقة لا تضمن الاستخدام الأمثل للموارد في الوقت المناسب، كما أن القوة الحقيقية تُقاس بالقدرات القابلة للتحريك في مسرح عمليات محدد، وليس بإجمالي النفقات.
ويضيف التقرير أن المغرب يسلك مساراً تكنولوجياً مختلفاً، مستشهداً بصفقة طائرات F-16 Block 72 التي وافقت عليها واشنطن عام 2019، والتي شملت 25 طائرة جديدة و23 طقماً لتحديث الطائرات الحالية. لكنه يشدد على أن جزءاً كبيراً من الاستثمارات العسكرية المغربية مرتبط بتوازن الردع الإقليمي الأوسع، خاصة في ظل نزاع الصحراء والتوترات مع الجزائر، التي بلغ إنفاقها العسكري حوالي 25.4 مليار دولار عام 2025، مقابل 6.3 مليارات دولار للمغرب. وبالتالي، فإن الادعاء بأن المغرب يسلح نفسه لمهاجمة إسبانيا لا يستند إلى بيانات الإنفاق هذه.
نقاط الاحتكاك: سبتة ومليلية والحدود البحرية
رغم هذا التشابك الاقتصادي، تبقى هناك ملفات ساخنة قادرة على إشعال أزمات ظرفية. فمدينتا سبتة ومليلية تشكلان موقعين محتملين للاحتكاك السياسي والدبلوماسي، ليس بسبب قربهما الجغرافي فحسب، بل لأن وجودهما يثير حساسية تاريخية وقانونية. كما أن ملف ترسيم الحدود البحرية في المحيط الأطلسي، خاصة حول جزر الكناري ومنطقة الصحراء، يزيد من نطاق المنافسة القانونية بين البلدين.
ويشير التقرير إلى أن جبل «تروبيك» البحري (Tropic Seamount) يكتسي أهمية علمية واقتصادية محتملة، لكن موقعه لا يمنح تلقائياً حقوق استخراج حصرية لأي من الدولتين. هذه النقاط، وإن كانت لا تهدد باندلاع حرب واسعة، إلا أنها قد تؤدي إلى مواجهات دبلوماسية أو حوادث محدودة في مناطق حساسة، مع خطر الحسابات الخاطئة والتصعيد غير المقصود.
خاتمة: الاقتصاد كابح للتصعيد
في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تشكل كابحاً كبيراً أمام أي قطيعة متعمدة ومطولة، دون أن تستبعدها تماماً. فالمصالح المشتركة، من صناعة السيارات إلى الموانئ والطاقة، تخلق بيئة من الاعتماد المتبادل الذي يجعل التصعيد العسكري خياراً غير عقلاني. لكن هذا لا يعني غياب التوترات، بل يعني أن إدارتها تحتاج إلى دبلوماسية ذكية وآليات فعالة للتحقق من الحقائق، بعيداً عن لغة التصعيد الإعلامي.
ولمن يرغب في متابعة المزيد من التحليلات السياسية والاقتصادية، يمكن زيارة الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب، كما يمكن الاطلاع على تعريف مضيق جبل طارق لفهم أهميته الاستراتيجية في العلاقات بين البلدين.
التعليقات (0)
اترك تعليقك