لجنة تحقيق أممية: جرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية
في تطور حقوقي وسياسي لافت، أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة تقريراً جديداً اتهمت فيه السلطات الإسرائيلية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الضفة الغربية، من بينها القتل والإبادة والتعذيب والاضطهاد. التقرير، الذي نُشر قبل يوم واحد من الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، أثار موجة من الردود الرسمية الإسرائيلية التي رفضت الاتهامات جملة وتفصيلاً. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متواصلاً منذ السابع من أكتوبر 2023.
تفاصيل التقرير: اتهامات بالإبادة والتعذيب والاضطهاد
أفادت اللجنة، التي أُنشئت عام 2021، بأنها خلصت إلى أن «السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت في الضفة الغربية جرائم ضد الإنسانية تتمثل في الإبادة والتعذيب والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي، بالإضافة إلى الاضطهاد القائم على دوافع تمييزية متقاطعة تشمل الجنسية والعرق والأصل الإثني». وأشار التقرير إلى أن هذه الأفعال تندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى معاقبة المدنيين الفلسطينيين جماعياً رداً على هجمات السابع من أكتوبر.
كما وثّق التقرير تدهوراً حاداً في الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية منذ ذلك التاريخ، مشيراً إلى أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بغارات جوية ارتفع من ستة أشخاص بين عامي 2008 و6 أكتوبر 2023 إلى 254 شخصاً بين 7 أكتوبر 2023 و30 سبتمبر 2026. ويأتي هذا التقرير بعد تحذيرات سابقة أصدرتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان في سبتمبر الماضي، والتي اتهمت إسرائيل بتهجير أكثر من 33 ألف فلسطيني قسراً من ثلاثة مخيمات في الضفة الغربية مطلع 2025، محذرة من احتمال ارتكاب جريمة ضد الإنسانية وتطهير عرقي.
الرد الإسرائيلي: اتهام اللجنة بمحاولة تقويض شرعية الدولة
لم تمضِ ساعات حتى خرجت البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في جنيف ببيان حاد، وصف التقرير بأنه «حلقة جديدة في حملة تضليل تهدف إلى شيطنة دولة إسرائيل وتصوير وجودها ذاته كجريمة». وقال السفير الإسرائيلي دانيال ميرون: «محاولة تدمير الدولة اليهودية لم تتوقف عام 1948، بل تتواصل اليوم عبر جهات مثل لجنة التحقيق الأممية التي تسعى إلى تقويض شرعية إسرائيل وإنكار حقها الأساسي في الوجود والدفاع عن نفسها». ودعت البعثة المجتمع الدولي إلى «حل لجنة التحقيق فوراً»، في إشارة إلى رئيسة اللجنة السابقة، المحامية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2026.
خلفية الصراع: احتلال مستمر وتوسع استيطاني
تحتل إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967، ويعيش فيها أكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني إلى جانب نحو 500 ألف مستوطن إسرائيلي في مستوطنات يعتبرها القانون الدولي غير قانونية. ومنذ هجمات السابع من أكتوبر، تصاعدت وتيرة إنشاء «البؤر الاستيطانية» بشكل ملحوظ، مما فاقم من حدة العنف في المنطقة. ويأتي هذا التقرير في ظل مناخ انتخابي إسرائيلي مشحون، حيث يسعى السياسيون إلى استمالة الناخبين عبر خطابات متشددة.
ردود الفعل الدولية والمسار القانوني
يُذكر أن محكمة العدل الدولية كانت قد أصدرت قراراً في يناير 2024 دعت فيه إسرائيل إلى اتخاذ تدابير لمنع أي أعمال إبادة في غزة، محذرة من «خطر حقيقي وشيك» بوقوع «ضرر لا يمكن إصلاحه» للفلسطينيين. ويضاف التقرير الجديد إلى سلسلة من المواقف الأممية التي تعكس قلقاً متزايداً بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية. وفي هذا السياق، تبقى التغطية الإخبارية لمثل هذه التقارير محورية، ويمكن متابعة آخر المستجدات عبر الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.
انتقادات للسلطة الفلسطينية أيضاً
لم يقتصر تقرير اللجنة على انتقاد إسرائيل، بل وجّه انتقادات لاذعة للسلطة الفلسطينية بسبب العنف ضد أعضاء جماعات مسلحة منافسة وقمع المعارضين المدنيين والسياسيين، متهمًا إياها بعدم إجراء تحقيقات سريعة وفعالة ونزيهة في هذه الانتهاكات. ويعكس هذا التوجه رغبة اللجنة في تقديم صورة متوازنة، وإن كانت الاتهامات الموجهة لإسرائيل هي الأكثر خطورة من الناحية القانونية.
تحليل: ماذا تعني هذه الاتهامات؟
من الناحية القانونية، فإن توصيف أفعال بأنها «جرائم ضد الإنسانية» يفتح الباب أمام ملاحقات قضائية دولية محتملة، لا سيما في ظل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. ومع ذلك، فإن مثل هذه التقارير غير الملزمة تظل أدوات ضغط سياسي وأخلاقي أكثر منها أدوات قضائية مباشرة. ويبدو أن توقيت نشر التقرير، عشية الانتخابات الإسرائيلية، يحمل دلالات سياسية واضحة، حيث قد يؤثر على النقاش العام في إسرائيل ويضع الحكومة المقبلة أمام تحديات دبلوماسية إضافية.
في المحصلة، يعكس هذا التقرير استمرار الانقسام الدولي حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويؤكد أن ملف حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة سيظل محوراً للتوتر بين إسرائيل والمؤسسات الأممية.
التعليقات (0)
اترك تعليقك