عاجل

الضوء في نهاية النفق: تحليل شامل لمستقبل الصحراويين في مخيمات تندوف بعد قرار مجلس الأمن

الضوء في نهاية النفق: تحليل شامل لمستقبل الصحراويين في مخيمات تندوف بعد قرار مجلس الأمن

إن ملف الصحراء، الذي ظل عالقاً على طاولة المجتمع الدولي لعقود، يشهد منعطفاً حاسماً بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير. هذا القرار، الذي يعزز خطة الحكم الذاتي المغربية كحل واقعي وذي مصداقية، لا يمثل فقط تسوية سياسية محتملة، بل يفتح آفاقاً جديدة وملحة للنظر في مستقبل الصحراويين في مخيمات تندوف، الذين عانوا ظروف الاحتجاز لأكثر من نصف قرن.

منعطف تاريخي يحدد المصير: سياق القرار الأممي

لطالما كان نزاع الصحراء الغربية قضية إقليمية ودولية معقدة، تمتد جذورها إلى فترة إنهاء الاستعمار الإسباني. بتاريخ 31 أكتوبر 2025، أقر مجلس الأمن الدولي بشكل صريح دعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، معتبراً إياها الإطار الوحيد القابل للتطبيق لحل هذا النزاع. هذا الإقرار لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لمسار طويل من المفاوضات والجهود الدبلوماسية، التي تخللتها أحداث تاريخية مفصلية:

  • 1975: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الذي أقر بوجود روابط ولاء تاريخية بين القبائل الصحراوية والعرش المغربي، تلاه تنظيم المسيرة الخضراء السلمية التي حررت الأقاليم الجنوبية من الاحتلال الإسباني.
  • 1976: إعلان جبهة البوليساريو عن ما يسمى بالجمهورية الصحراوية في تندوف، بدعم من الجزائر وليبيا، مما فاقم من حدة النزاع الإقليمي.
  • 1991: إعلان وقف إطلاق النار وتأسيس بعثة المينورسو، بهدف تنظيم استفتاء تقرير المصير، الذي تعذر إجراؤه بسبب خلافات جوهرية حول تحديد هوية الناخبين، ورفض الجزائر والبوليساريو إحصاء سكان المخيمات.
  • 2007: تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي، التي وصفتها قرارات مجلس الأمن المتتالية بأنها خطة جادة وذات مصداقية.
  • 2020: اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، تلتها موجة من الاعترافات وفتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية، مما عزز الموقف المغربي على الساحة الدولية.

كل هذه الأحداث مهدت الطريق للقرار الأخير، الذي يضع حداً لمرحلة المطالب الانفصالية، ويؤكد على ضرورة البحث عن حل واقعي يراعي مصالح جميع الأطراف، وفي مقدمتها كرامة وحقوق الصحراويين المحتجزين.

التحول الإنساني: تحديات وفرص أمام مستقبل الصحراويين في مخيمات تندوف

باعتماد مجلس الأمن خيار الحكم الذاتي كإطار وحيد وواقعي، فقد أصبحت مخيمات تندوف، التي كانت تُصور كفضاءات للجوء، أماكن مؤقتة ينبغي أن تنتهي وظيفتها التاريخية. هذا يعني أن استمرار الوضع الإنساني في هذه المخيمات، الذي وصفه الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية، هشام معتضد، بـ«المأساة الإنسانية المفتوحة على الفوضى»، لم يعد له غطاء قانوني دولي. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: ما هي السيناريوهات المحتملة لآلاف الصحراويين الذين يناهز عددهم 175 ألفاً، وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؟

سيناريوهات محتملة لمستقبل الصحراويين في مخيمات تندوف

يرسم المحللون عدة مسارات محتملة لمستقبل هؤلاء السكان، تتراوح بين الحلول الإنسانية الجذرية والمخاطر المترتبة على استمرار الوضع الراهن:

  1. العودة والإدماج الطوعي: يعتبر هذا السيناريو الأكثر واقعية وإنسانية، ويقوم على فتح قنوات تنسيق بين الأمم المتحدة والمغرب لتنظيم عودة الصحراويين الراغبين في ذلك إلى وطنهم. يجد هذا الخيار زخمه في الدعوات الملكية المغربية لعودة الصحراويين في إطار مبادرة الحكم الذاتي، مع ضمان كرامتهم وحقوقهم. يمكن للأمم المتحدة أن تلعب دور الضامن التقني واللوجستي لهذه العودة، مما يحول الملف من نزاع إقليمي إلى تجربة ناجحة في الاستيعاب والدمج تحت مظلة دولية.
  2. خيارات إعادة التوطين: يتمثل هذا السيناريو في إيجاد صيغة انتقالية تحت إشراف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تتيح للساكنة حرية الاختيار بين العودة إلى الأقاليم الجنوبية للمغرب، أو إعادة التوطين في بلدان أخرى. على الرغم من أن هذا الخيار قد يكون مكلفاً سياسياً وإنسانياً، إلا أنه يظل قائماً نظرياً ضمن الأدوات الأممية للتعامل مع النزاعات طويلة الأمد، ويهدف إلى إنهاء معاناتهم في المخيمات.
  3. استمرار الوضع الراهن والمخاطر المترتبة: هذا هو السيناريو الأكثر حساسية، وينطوي على إمكانية استمرار الجزائر في استخدام المخيمات كورقة ضغط سياسية، رغم فقدانها للغطاء القانوني الدولي. مثل هذا المسار قد يؤدي إلى توترات إنسانية داخلية متزايدة، وتنامي الأصوات الرافضة لاستمرار الوضع داخل المخيمات نفسها، مما قد يولد اضطرابات يصعب ضبطها على المدى المتوسط، ويهدد الأمن والاستقرار الإقليمي.

المغرب يستعد للمرحلة القادمة: رؤية متكاملة

في المقابل، يظهر أن المغرب يستعد لمرحلة ما بعد قرار مجلس الأمن برؤية متكاملة تربط بين الحل السياسي والتنمية المحلية. لم يعد الرهان المغربي مقتصراً على الشرعية الدولية فحسب، بل على قدرته في تحويل الأقاليم الجنوبية إلى نموذج للاستقرار والجاذبية الاقتصادية والاجتماعية. هذا النهج يجعل العودة إلى الوطن خياراً منطقياً وجذاباً لكل من عانى من التهميش في تندوف، ويُعد تجسيداً عملياً لما جاء في تقارير مجلس الأمن الدولي التي تؤكد على أهمية التنمية المستدامة في حل النزاعات.

من منظور أممي، تمثل اللحظة الراهنة فرصة نادرة لتصفية أحد أقدم الملفات العالقة في شمال إفريقيا. لقد أعاد مجلس الأمن الاعتبار لمنطق الحل الواقعي، وأظهرت الدبلوماسية المغربية نضجاً في توظيف هذا التحول لخدمة الاستقرار الإقليمي. ولكن نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف بشكل كبير على مدى تعاون الجزائر في تسهيل العودة الطوعية للصحراويين، وضمان عدم توظيف الملف لأغراض داخلية أو أيديولوجية، مما قد يعيق أي تقدم حقيقي نحو حل دائم.

إننا أمام مشهد جديد تتقاطع فيه السياسة بالإنسانية؛ فالمخيمات لم تعد مجرد قضية جغرافيا ونزاع، بل باتت قضية كرامة بشرية وحق في الانتماء. قرار مجلس الأمن الأخير منح أملاً بإغلاق صفحة مؤلمة من التاريخ الحديث، شرط أن يُترجم مضمونه إلى واقع ميداني يحفظ للصحراويين إنسانيتهم، ويعيد لهم حقهم في حياة طبيعية داخل وطنهم، في ظل مغرب موحد آمن ومستقر. لمتابعة آخر التطورات الإقليمية، زوروا الجريدة نت، الموقع الإخباري الأول في المغرب.

التعليقات (0)

اترك تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.